التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢١/ ٦٤٩-٦٥٠)مصدر غير محدد٢١/٦٤٩ وابن كثير (٧/ ٢٤٠-٢٤١)مصدر غير محدد٧/٢٤٠ والقرطبي (١٦/ ١١٣)مصدر غير محدد١٦/١١٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما بين عيسى عليه السلام لهم التوحيد ودعاهم إلى صراط الله المستقيم، تفرقت طوائف بني إسرائيل وأهل الكتاب وتشتتت كلمتهم واختلفوا فيه اختلافاً كبيراً:
فقالت طائفة (وهم المؤمنون الحواريون): هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فهداهم الله للحق.
وقالت طائفة من النصارى (اليعقوبية): هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
وقالت طائفة (النسطورية): هو ابن الله!
وقالت طائفة (الملكانية): هو ثالث ثلاثة!
وقالت اليهود المجرمون: بل هو ساحر كذاب كاذب في دعواه ولد لغير رشدة! (لعنهم الله).
فأنزل الله تبارك وتعالى متوعداً كل من حاد عن التوحيد وظلم نفسه بالشرك والبهتان: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْأَحْزَابُ}: جمع حِزب، وهو الجماعة المتفقة على رأي وهوى يناصر بعضهم بعضاً عليه.
{فَوَيْلٌ}: الويل: كلمة تفيد الهلاك والعذاب والوعيد الشديد والدمار وسوء المنقلب، وقيل هو وادٍ في جهنم يسيل من صديد أهل النار.
{ظَلَمُوا}: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأعظمه الشرك بالله وافتراء الكذب على رسله.
الإعراب الدقيق:
{فَاخْتَلَفَ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسببية، اختلف: فعل ماض مبني على الفتح.
{ظَلَمُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{مِنْ عَذَابِ}: جار ومجرور متعلقان بويل أو بمحذوف حال، وهو مضاف.
{يَوْمٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{أَلِيمٍ}: نعت لـ (عذاب) أو لـ (يوم) مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تباين الموقف من النور الإلهي: لما جاء عيسى بالصراط المستقيم الواضح الجلي، لم تجتمع قلوبهم عليه، بل تفرقت بهم الأهواء وتشظت؛ فبين القرآن مآل الفرقة والتحزب في الدين بعيداً عن هدى الأنبياء.
التهديد الرادع: ترتب الوعيد الشديد بـ {فَوَيْلٌ} للدلالة على أن التحريف العقدي والظلم ليس مجرد رأي عابر، بل هو جريمة كبرى تستوجب العذاب الأليم يوم القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التحذير من آفة التحزب العقدي والتفرق في الدين:
الحق واحد لا يتعدد، والباطل متشعب تتفرق به السبل؛ فعيسى جاء بكلمة واحدة: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ}، فلما تركوا هذا المحكم الفطري تشعبت بهم البدع ووقعوا في ضلالات التثليث واللعن المتبادل.
الظلم هو منشأ الضلال: وصفهم الله بـ {الَّذِينَ ظَلَمُوا} لبيان أن اختلافهم لم يكن عن قصور في الدليل، بل كان عن ظلم وهوى وعناد وتعدٍ لحدود الله.
التعبير بـ {مِنْ بَيْنِهِمْ}: إشارة إلى أن الاختلاف والتفرق نبع من داخل صفوفهم ومن بين ظهرانيهم بعد وضوح الحجة ورؤية البينات؛ مما يدل على أن العلة في قلوبهم وأهوائهم.
التهديد بـ {وَيْلٌ}: تنكير كلمة الويل لتفخيم العذاب وتهويل أمره وشدته.
وصف اليوم بـ {أَلِيمٍ}: وصف اليوم بالألم مجاز عقلي؛ والأليم في الحقيقة هو العذاب الواقع فيه، للدلالة على أن هول اليوم يستغرق كل حواسهم وأوقاتهم بالألم الشديد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتصام بالسنة ونبذ التحزب والفرقة: الفرقة في أصول الدين وبدع الأهواء هي سبيل الهلاك؛ والواجب على الأمة الإسلامية التمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
التحذير من الظلم العقدي والعملي: الظلم عواقبه وخيمة في الدار الآخرة، وأظلم الظلم هو الشرك بالله وتحريف شريعته.