التوجيه بالمأثور في استغاثة أهل النار بمالك خازن جهنم:
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (رقم ٣٢٣٦)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٣٦ عن صفوان بن يعلى عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}.
وروى الطبري (٢١/ ٦٦٧-٦٧٠)مصدر غير محدد٢١/٦٦٧ وابن كثير (٧/ ٢٤٧-٢٤٩)مصدر غير محدد٧/٢٤٧ عن ابن عباس ومجاهد وابن جبير: ينادي أهل النار مالكاً خازن جهنم بعد أن يشتد بهم العذاب ويغلق دونهم باب الرجاء، فيقولون: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} أي ليمتنا ربك فنهلك ونستريح من شدة هذا العذاب والألم المقيم؛ فيسكت عنهم مالك ولا يجيبهم سنين طويلة - قيل ثمانين سنة وقيل مئة وقيل ألف سنة هواناً بهم - ثم يجيبهم بكلمة واحدة قاطعة: {قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} مقيمون فيها لا موت لكم ولا خروج.
القراءات المتواترة والشاذة وأثرها:
قرأ جمهور القراء العشرة بالتحقيق: {يَا مَالِكُ} بضم الكاف على النداء المبني على الضم.
وروي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود والأعمش في الشواذ: {يَا مَالِ} بحذف الكاف على الترخيم للنداء؛ وذلك تصويراً لضعفهم وعجزهم عن إتمام الكلمة من شدة ما هم فيه من الخنق والعذاب والألم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{مَالِكُ}: علم على رئيس خزنة جهنم من الملائكة الغلاظ الشداد.
{لِيَقْضِ}: القضاء هنا الموت التام، من قوله: قضى عليه إذا قتله وأهلكه، كقوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}.
{مَاكِثُونَ}: المكث: اللبث الطويل الدائم مع الاستقرار.
الإعراب الدقيق:
{وَنَادَوْا}: الواو عاطفة أو استئنافية، نادوا: فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعل.
{يَا}: حرف نداء مبني على السكون.
{مَالِكُ}: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب.
{لِيَقْضِ}: اللام لام الأمر والدعاء جازمة، يقض: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الياء)، والكسرة دليل عليها.
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (أي مالك).
{إِنَّكُمْ}: إنّ حرف توكيد ونصب، والكاف اسمها، والميم للجمع.
{مَاكِثُونَ}: خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المشهد الحواري التراجيدي المروع: بعد أن ذكر أنهم مبلسون لا يفتر عنهم العذاب، صور القرآن هذا الحوار المأساوي الباكي؛ حيث بلغ بهم اليأس أن تمنوا العدم المحض والموت الحاسم بعد أن كانوا يفرون منه في الدنيا، فيأتيهم الجواب الصاعق المؤبد للإياس.
دلالة الانقطاع عن الله: لم يقولوا (يا ربنا اقضِ علينا)، بل قالوا {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}؛ لأنهم شعروا ببعدهم التام وانقطاع صلتهم برحمة الله وسخطه عليهم، فاستشفعوا بمالك ليدعو ربه لهم بالموت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الموت في الدار الآخرة وانقطاعه التام:
أخرج البخاري (رقم ٤٧٣٠)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٣٠ ومسلم (رقم ٢٨٤٩)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٤٩ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُجَاءُ بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ»، ثم قرأ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
بطلان أمنية الفناء: الفناء نعمة يستريح بها المتألم، ولكن الكافر حُرم حتى من نعمة الفناء؛ فالخلود واقع والجزاء عدل مبرم.
الإيجاز القاطع في جواب مالك: لم يطل معهم في الكلام، بل جاء الرد بجملة اسمية محكمة حاسمة {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}؛ لقطع كل أمل وإيقاع الصدمة الكبرى في نفوسهم.
التعبير بـ {مَاكِثُونَ} باسم الفاعل: للدلالة على استقرار الصفة وثبوتها الأبدي بلا أي احتمال لتغيرها أو تحولها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إدراك قيمة الحياة والفرصة الحاضرة: أعظم أمنية لأهل النار هي لحظة موت أو يوم يخفف فيه العذاب، وأنت اليوم في دار المهلة ولديك القدرة على النجاة بكلمة التوحيد والعمل الصالح؛ فلا تضيع هذه الفرصة العظيمة.
الوجل من مصير الإياس: أن يعيش الإنسان خائفاً وجلاً من سوء المنقلب، سائلاً ربه النجاة من النار والفوز برضوان الله وجنته.