بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 657)جامع البيانالطبري٢١/٦٥٧ أن الله تعالى يكشف العلة الحقيقية التي قعدت بهؤلاء المشركين عن قبول الحق، والدافع الوحيد الذي اعتمدوا عليه في شركهم بعد سقوط حججهم العقلية والنقلية؛ فقالوا في صراحة مكابرة: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ}؛ أي على طريقة وملة ومنهاج ودين ساروا عليه، {وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}؛ أي وإنا متبعون لطرائقهم ومقتفون لآثارهم، نحسب أننا بذلك مهتدون إلى الرشاد!
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 229)مصدر غير محدد٧/٢٢٩ عن ابن عباس ومجاهد أن (الأمة) هنا هي: الدين والملة؛ أي ألفينا آباءنا على دين عبادة الأصنام ونحن نقتدي بهم تقليداً أعمى بلا بصيرة ولا برهان.
وذكر السعدي في (تفسيره، ص 764)مصدر غير محدد٧٦٤ أن هذا إقرار منهم بأنهم ليسوا على علم ولا كتاب، وإنما هم مقلدة ضالون يعطلون عقولهم إرضاءً لعصبية الآباء والأجداد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أُمَّةٍ}: تطلق الأمة في القرآن على عدة معانٍ: (الملة والدين كما هنا)، و(الجماعة من الناس)، و(الرجل الجامع للخير المقتدى به كإبراهيم)، و(الحين والزمان كقوله: وادكر بعد أمة).
{آثَارِهِمْ}: جمع أثر؛ وهو الخطو والعلامة التي يتركها السائر وراءه، والمراد به سننهم وتقاليدهم.
{مُهْتَدُونَ}: متبعون طريق الهدى بزعمهم وتوهمهم الباطل.
الإعراب:
{بَلْ}: حرف إضراب انتقالي وإبطالي لما قبله.
{قَالُوا}: فعل ماض وفاعله.
{إِنَّا}: إن واسمها.
{وَجَدْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{آبَاءَنَا}: مفعول به أول لوجدنا منصوب بالفتحة، و(نا) مضاف إليه.
التمهيد لتعميم هذه الظاهرة المرضية في تاريخ الأمم: في الآية التالية يبين أن هذا المرض ليس خاصاً بمشركي مكة، بل هو داء مستحكم في كل أمة عارضت رسل الله عبر القرون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك مغالطة التقليد الأعمى (الاحتكام إلى القدم والأقدمية): الآية تشن حرباً عقلية لا هوادة فيها على تقديس الموروث لمجرد قدمه؛ فالقدم ليس دليلاً على الصواب، ومتابعة الآباء في الباطل إلغاء للعقل وتنازل عن أمانة التكليف الفردي، فالعقل خلقه الله ليزن به الحقائق لا ليعطله ويسلمه للتقاليد البائدة.
الزعم الزائف بالاهتداء: سموا تقليدهم {مُهْتَدُونَ}؛ وهو تزيين شيطاني وتسمية للباطل بغير اسمه، فالاهتداء يقتضي برهاناً، والتقليد بغير علم هو الضلال المبين.
الاستعارة التمثيلية في {عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}: تصوير المقلد كالأعمى أو الدابة التي لا ترى الطريق، وإنما تطأ موضع أقدام السائرين أمامها دون نظر في مهواة أو خطر.
الإضراب بـ {بَلْ}: لإفادة الحسم وقطع المماراة ووضع الإصبع على موضع الداء الحقيقي.
الإشارة التدبرية: التحرر الفكري الحقيقي هو التحرر من أسر التقاليد والعادات الباطلة التي تحول بين المرء وبين اتباع الوحي؛ فالإسلام جاء ليحرر الإنسان من عبادة الآباء إلى عبادة رب العباد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاربة ظاهرة التقليد الأعمى في العقائد والسلوك، وتربية المسلم على اتباع الدليل والبحث عن الحقيقة.
التفريق الحازم بين احترام الآباء وبرهم، وبين متابعتهم في البدع والخرافات ومعصية الله.
شجاعة التغيير والإصلاح ونبذ الأعراف الاجتماعية الفاسدة مهما كانت متوارثة ومتجذرة.