بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 662)جامع البيانالطبري٢١/٦٦٢ أن الله تعالى يوجّه الخطاب لمشركي قريش الذين زعموا أنهم متمسكون بدين آبائهم ويقتدون بآثارهم؛ فيذكرهم بإمام الحنفاء وأبيهم الأكبر إبراهيم عليه السلام الذي ينتسبون إليه ويفخرون بحرمه، كيف خالف أباه وقومه ولم يقلدهم في باطلهم، بل صدع بالتوحيد الخالص معلناً براءته القاطعة من كل ما يعبدون من دون الله من الأوثان والأنداد والكواكب.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 231)مصدر غير محدد٧/٢٣١ أن هذه براءة صريحة من الشرك وأهله؛ أسوة بكل مؤمن وموحد؛ كما قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}.
وذكر القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن، ج 16، ص 73)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٦/٧٣ أن (بَرَاءٌ) مصدر يستعمل للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد؛ مبالغة في البراءة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بَرَاءٌ}: مصدر بَرِئَ يَبْرَأُ براءة، ووصف به للمبالغة؛ كأن ذاته غدت عيناً للبراءة والمفاصلة، ولا يثنى ولا يجمع.
الإعراب:
{وَإِذْ}: الواو استئنافية، {إِذْ}: ظرف زمان لما مضى مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره (واذكر إذ).
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{إِبْرَاهِيمُ}: فاعل مرفوع بالضمة (ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة).
{لِأَبِيهِ}: جار ومجرور متعلقان بقال، وعلامة الجر الياء لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء مضاف إليه.
{وَقَوْمِهِ}: معطوف مجرور، والهاء مضاف إليه.
{إِنَّنِي}: حرف توكيد ونصب، والنون للوقاية، والياء ضمير متصل مبني في محل نصب اسم إن.
{بَرَاءٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِمَّا}: {مِنْ}: حرف جر، {مَا}: اسم موصول مبني في محل جر متعلق ببراء.
{تَعْبُدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، وجملة الصلة لا محل لها، والعائد محذوف تقديره (تعبدونه)، وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نقض حجة التقليد بأعظم قدوة يعترفون بفضله: لما تذرع المشركون في الآيات السابقة بالتقليد الأعمى للآباء: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ}، جاء السياق بقصة إبراهيم الخليل عليه السلام ليفحمهم؛ فإن كنتم مقلدين حقاً ومتبعين لآبائكم، فأولى الآباء بالاتباع والاقتداء هو أبوكم إبراهيم، وهو لم يقلد أباه وقومه بل خالفهم وتبرأ من آلهتهم.
الجمع بين الأب والقوم: {لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ} إشعار بأن عاطفة القرابة الخاصة وعصبية القبيلة العامة تذوبان تماماً أمام قداسة التوحيد ومقتضيات الإيمان.
التمهيد للاستثناء الموحد في الآية التالية: قدم النفي العام المستغرق {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} ليتلوه بالإثبات الحصري {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير الولاء والبراء في ملة إبراهيم: الآية تؤصل أصلاً عقدياً أصيلاً: أن الإيمان لا يصح ولا يكتمل إلا بركنين متلازمين: (الكفر بالطاغوت والبراءة من الشرك)، و(الإيمان بالله وتوحيده)، وهو عين معنى (لا إله إلا الله).
تفنيد دعوى المشركين في الانتساب لإبراهيم: كان مشركو قريش يدعون أنهم على ملة إبراهيم ويعظمون الكعبة، فأثبت القرآن أن ملة إبراهيم هي التوحيد والبراءة من الأوثان، وأن انتسابهم إليه مع شركهم انتساب مزيف لا حقيقة له؛ فالقرابة الحقيقية قرابة الدين والتوحيد لا النسب الطيني.
التعبير بالمصدر {بَرَاءٌ}: أبلغ من اسم الفاعل (بريئاً)؛ لأن المصدر يدل على أن البراءة صارت سجية راسخة وهوية متجذرة لا تقبل المساومة.
التوكيد بـ {إِنَّنِي}: للدلالة على قوة اليقين والجهر بالحق في وجه أعتى طغيان عائلي وقبلي.
الإشارة التدبرية: صدق المصلح يبدأ من مواجهة أقرب الدوائر إليه؛ فإبراهيم عليه السلام بدأ بدعوة والده وقومه، ولم تمنعه محبة الوالد من إعلان البراءة من باطله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحقيق مقتضى التوحيد الخالص بالبراءة القلبية والعملية من كل مظاهر الشرك والبدع والخرافات.
تقديم محبة الله ودينه على وشائج القرابة والنسب عند تعارضهما.
الجرأة الأدبية والصدع بالحق بالرفق والحكمة دون مداهنة على حساب العقيدة.