التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢١/ ٦٧١)مصدر غير محدد٢١/٦٧١ وابن كثير (٧/ ٢٤٩)مصدر غير محدد٧/٢٤٩ والقرطبي (١٦/ ١١٨)مصدر غير محدد١٦/١١٨: هذا كلام الله تبارك وتعالى للمجرمين توبيخاً وتقريعاً وإلزاماً بالحجة، أو هو تتمة كلام مالك عن ربه؛ أي: لقد بعثنا إليكم الرسل وأنزلنا عليكم الكتب وأوضحنا لكم الحق الجلي التام الذي لا ريب فيه، ولكنكم لم تقبلوه، بل كانت طبيعتكم وسجيتكم كراهية الحق ونفرة قلوبكم منه؛ لأن الحق يمنعكم من اتباع أهوائكم وشهواتكم ويسقط زخرف باطلكم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{بِالْحَقِّ}: الحق هو الثابت الصادق المطابق للواقع، وهو التوحيد وشريعة الله والقرآن.
{كَارِهُونَ}: الكراهة: ثقل الشيء ونفرة النفس عنه ونبذه؛ لمخالفته الهوى الفاسد.
الإعراب الدقيق:
{لَقَدْ}: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد: حرف تحقيق مبني على السكون.
{جِئْنَاكُمْ}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والميم للجمع.
{بِالْحَقِّ}: جار ومجرور متعلقان بالفعل (جئناكم).
{وَلَكِنَّ}: الواو حالية أو عاطفة، لكنّ: حرف استدراك ونصب ناسخ.
{أَكْثَرَكُمْ}: اسم لكن منصوب بالفتحة الظاهرة، والكاف مضاف إليه، والميم للجمع.
{لِلْحَقِّ}: اللام حرف جر، الحق: اسم مجرور، والجار والمجرور متعلقان بـ (كارهون) وقُدما للاهتمام والتقريع.
{كَارِهُونَ}: خبر لكنّ مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف العلة الحقيقية للهلاك والمكث في النار: بعد أن أعلن مالك خلودهم بقوله: {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}، جاء بيان السبب الجوهري لهذا المكث؛ لم يكن الأمر عجزاً عن فهم الحق ولا نقصاً في براهينه، بل كان عن بغض مقيم للحق ونفرة نفسية متجذرة في قلوبهم.
التناسق التام مع مجادلات قريش في السورة: كفار قريش لما ضرب ابن مريم مثلاً ضجوا فرحاً بالمغالطة، وكشف القرآن هنا أن كل ذلك الضجيج إنما نبع من كراهيتهم للحق الصافي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كشف الدافع الباطن للإعراض عن الدين:
القرآن يقرر حقيقة نفسية وفكرية عميقة: كثير من المعارضين للحق والدين والتوحيد لا ينطلقون من إشكالات برهانية أو عقلية حقيقية، بل دافعهم الحقيقي هو (كراهية الحق) لمخالفته لشهواتهم المادية، ونفور نفوسهم من التكاليف التي تقيد أهواءهم وتلزمهم بالعدل والخضوع لله.
معنى التعبير بـ {أَكْثَرَكُمْ}: الكفار المعاندون كانوا كارهين للحق جميعاً، ولكن ذُكر الأكثر لأن فيهم رؤساء طغاة يكرهون الحق حسداً وكبراً، وفيهم أتباع جهلة قلدوا رؤساءهم، أو للدلالة على أن الغالب المطلق فيهم هو تمكن داء الكراهية والبغض للحق.
تقديم الجار والمجرور {لِلْحَقِّ}: في قوله {لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} لإفادة القصر والاهتمام، وتشنيع شناعة موقفهم؛ فالشيء الذي يستحق المحبة والاتباع وهو (الحق) جعلوه هم موضع البغض والكراهية!
الاستدراك بـ {وَلَكِنَّ}: لبيان المفارقة الصادمة بين إشراق الحق وبين ظلمة قلوبهم العفنة بالكراهية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تطهير القلب من كراهية أحكام الشرع: الواجب على المؤمن أن يحب الحق وأحكام الله ورسوله، وإن شق ذلك على نفسه أو خالف هواه، لقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
فقه الداعية في التعامل مع معارضي الدعوة: الداعية الحكيم يعلم أن الردود العقلية وحدها لا تكفي لعلاج صاحب الهوى الكاره للحق؛ بل لابد من تفكيك أمراض القلوب وكبرها قبل مقارعة الشبهات الظاهرة.