بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 694)جامع البيانالطبري٢١/٦٩٤ أن الله تعالى لم يترك فرعون وقومه مع سخرية أول آية، بل والى عليهم المعجزات والآيات والنذر تباعاً؛ فما نريهم من معجزة وحجة تدل على صدق موسى، أو عقوبة أرضية تصيبهم، إلا كانت تلك الآية أعظم دلالة وأشد هولاً ونكاية من الآية التي سبقتها وقرينتها (كالطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونقص الثمرات والسنين)، {وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ} الدنيوي والشدائد والمصائب المتلاحقة؛ {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}؛ لكي يرجعوا عن كفرهم ويتوبوا إلى ربهم ويخلعوا طاغوتهم.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 241)مصدر غير محدد٧/٢٤١ عن ابن عباس وقتادة والحسن أن المراد بـ {أُخْتِهَا} هي: الآية القرينة السابقة لها في النزول؛ فكانت كل عقوبة تأتي أشد وأفظع مما قبلها لعلهم يثوبون إلى رشدهم وينكسر كبرياؤهم.
وأوضح القرطبي أن إطلاق لفظ (الأخت) على الآية الأخرى هو تشبيه في المشاكلة والمقارنة؛ كما يقال للشيء المماثل في الغاية إنه أخوه وأخته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أُخْتِهَا}: صاحبتها وشبيهتها وقرينتها في الدلالة والإعجاز.
{نُرِيهِمْ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به أول، والميم للجمع.
{مِنْ}: حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراق الجنس.
{آيَةٍ}: مجرور لفظاً منصوب محلاً مفعول به ثانٍ لنريهم.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{هِىَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{أَكْبَرُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
{مِنْ أُخْتِهَا}: جار ومجرور متعلقان بأكبر، والهاء مضاف إليه، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب حال من آية (أو نعت لها قبل دخول من الزائدة).
{وَأَخَذْنَاهُمْ}: الواو عاطفة، فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به.
{بِالْعَذَابِ}: جار ومجرور متعلقان بأخذناهم.
{لَعَلَّهُمْ}: لعل واسمها.
{يَرْجِعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة خبر لعل، وجملة (لعلهم يرجعون) تعليلية لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج الإلهي الحكيم في التربية والإنذار: لم يعاجلهم الله بالاستئصال والغرق من أول تكذيب، بل تدرج معهم بالآيات المفصلة المتصاعدة في القوة والدلالة والألم؛ رحمة وإعذاراً لإلجائهم إلى التوبة.
التعليل بـ {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: إبراز لغاية الابتلاء بالشدائد والمصائب؛ فالرب الرحيم يبتلي العباد بالضراء لا تشفياً بل ليردهم إلى بابه ويكسر كبرياء نفوسهم.
التمهيد لبيان نكثهم الدائم في الآيتين التاليتين: الآية مهدت لتصوير تملصهم الكاذب حين تنزل الشدة ثم نكثهم للعهد حين يرتفع البلاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة المصائب والكوارث في حياة الأمم: الآية تؤصل سنّة ربانية كبرى: المصائب العامة والأوبئة والشدائد ليست حوادث عشوائية، بل نذر ربانية موجهة للبشرية لتذكيرها بضعفها وإلجائها إلى الرجوع والتوبة: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
وجه كون كل آية {أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا}: قد يقال: كيف تكون كل آية أكبر من سابقتها؟ والجواب: إما بحسب شدة وقعها وتأثيرها النفسي على القوم؛ فكلما استمر العناد جاءت الآية اللاحقة أشد وجعاً وأوضح إعجازاً، أو أن كل واحدة عظيمة في بابها كأنها الكبرى عند معايشة هولها.
الاستعارة في لفظ {أُخْتِهَا}: تشبيه الآيات المتتابعة بالأخوات المتشابهات في الدلالة والإعجاز والمقصد.
أسلوب الحصر والاستغراق بـ {مَا... مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ}: لبيان عظمة المعجزات التي توالت عليهم وتوافر الحجج القاطعة.
الإشارة التدبرية: إذا تتابعت عليك الشدائد والابتلاءات فاعلم أن الله يطرق باب قلبك لترجع إليه؛ فاللبيب من انكسر ورجع، والشقي من تمادى في غيه حتى يفجأه العذاب الأكبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تذكير الناس بالرجوع إلى الله والاستغفار عند نزول الجوائح والمحن والمصائب.
الصبر في مسيرة الدعوة والتدرج في إقامة الحجج والوسائل مع المدعوين.
الحذر من قسوة القلب التي لا تلين لآيات الله ولا تتعظ بالنذر والعقوبات.