بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 692)جامع البيانالطبري٢١/٦٩٢ أن الله تعالى يورد قصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه تسلية لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وضرباً للمثل لمشركي قريش؛ ولقد أرسلنا كليمنا موسى بالبراهين الساطعة والمعجزات الباهرة (كالعصا واليد البيضاء) إلى طاغية مصر فرعون وأشراف قومه وكبرائهم، فصدع موسى بالحق قائلاً دون تردد: {إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ جئتكم من عند خالق الكون ومليكه لتدينوا له بالعبودية وتخلعوا طغيانكم.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 241)مصدر غير محدد٧/٢٤١ أن فرعون كان يدعي الربوبية كذباً وزوراً ويقول لقومه: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} و{أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}، فجاءه موسى بالآيات الإلهية الكبرى ليعلن أمام ملئه وسلطانه أنه مجرد مربوب عبد، وأن الرب الحقيقي هو رب العالمين.
وأوضح القرطبي أن تخصيص (الملأ) بالذكر مع فرعون؛ لأنهم الوزراء والرؤساء والأعوان الذين يقودون الجماهير في الفساد والاستكبار، ولهم مصالح في بقاء الطغيان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَقَالَ}: الفاء عاطفة للتعقيب، فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو.
{إِنِّي}: إن واسمها.
{رَسُولُ}: خبر إن مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{رَبِّ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، وهو مضاف.
{الْعَالَمِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نموذج تطبيقي مباشر على سنة الأنبياء: بعد أن أمره بسؤال الأنبياء في الآية السابقة وتأكيد إجماعهم على التوحيد، جاء بقصة موسى عليه السلام كأبرز نموذج معروف لأهل الكتاب وقريش.
الملاءمة لمقصد السورة في إسقاط الزخرف: قصة فرعون مع موسى في سورة الزخرف تركز بصورة فريدة على (زخرف ملك مصر والأنهار وأساور الذهب) مقارنة بضعف موسى المادي؛ مما ينسجم تماماً مع مقصد السورة في تحطيم المعايير المادية.
الصدع بالحق أمام أعتى الجبابرة: فاجأ فرعون في أول لقاء بإعلان الربوبية العامة المطلقة لله {رَبِّ الْعَالَمِينَ} لإسقاط ألوهيته المزعومة من اللحظة الأولى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شجاعة الحق أمام استكبار الباطل: الآية تؤصل أن الداعية الصادق لا يداهن الطغاة ولا يتلعثم في إعلان ثوابت التوحيد؛ فموسى عليه السلام دخل على فرعون في قصره وسلطانه، فلم يداهنه ولم ينافقه، بل أعلن عبودية فرعون لرب العالمين.
تفنيد دعوى التأليه البشري: فرعون نموذج لكل حاكم مستبد يطغى بملكه وينصب نفسه مشرعاً من دون الله؛ فجاءت الرسالة لتنزع القداسة عن البشر وتعيدها حصراً لخالق العالمين.
التوكيد باللام و(قد) في {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا}: لتحقيق الخبر وتقرير صدق القصة وعظمتها.
إضافة الآيات إلى ضمير العظمة {بِآيَاتِنَا}: لإكساب الحجج هيبة وربانية تقهر كيد السحرة وأوهام الطغاة.
الإشارة التدبرية: القوة الحقيقية في قوة الحق لا في بطش السلطان؛ فرجل واحد مؤيد بالوحي (موسى) يقتحم عرش أعظم إمبراطورية في عصره ويغير مجرى التاريخ بإيمانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الشجاعة والجرأة في الصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والبرهان.
استحضار معية الله وتأييده للدعاة الصادقين في مواجهة طغيان المستكبرين.
اليقين بأن عروش الظالمين أوهن من بيت العنكبوت أمام أمر رب العالمين.