التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢١/ ٦٧٩-٦٨٠)مصدر غير محدد٢١/٦٧٩ وابن كثير (٧/ ٢٥١-٢٥٢)مصدر غير محدد٧/٢٥١ والقرطبي (١٦/ ١٢٢-١٢٣)مصدر غير محدد١٦/١٢٢: هذا تهديد ووعيد شديد من الله تعالى لكفار قريش والمشركين المكذبين المعاندين، وتسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ أي: اتركهم يا محمد ولا تأسَ عليهم، ودعهم في باطلهم الذي يخوضون فيه بجدلهم العقيم، ولعبهم في دنياهم بزخرفها الفاني، حتى ينتهوا إلى ذلك اليوم المروع الذي يوعدون فيه بالعذاب الأليم، وهو يوم القيامة ويوم بدر؛ فحينئذ يعلمون عاقبة خوضهم ولعبهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{فَذَرْهُمْ}: الذَّر: الترك والإمهال، وأصله من الوَذْر، ولم يستعمل منه ماضٍ في الفصيح المشهور بل الأمر والمضارع (يَذَرُ).
{يَخُوضُوا}: الخوض في أصل اللغة: الدخول في الماء أو الأوحال، ثم استعير للاندفاع في الباطل والمراء والشبهات بغير علم ولا هدى.
{وَيَلْعَبُوا}: اللعب: الاشتغال بما لا نفع فيه ولا ثمرة حقيقية له، والمراد انشغالهم بملاذ الدنيا الفانية وإعراضهم عن الآخرة.
الإعراب الدقيق:
{فَذَرْهُمْ}: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر، ذَرْ: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والميم للجمع.
{يَخُوضُوا}: فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب نعت لـ (يومهم).
{يُوعَدُونَ}: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ختام المخاصمة بالوعيد الحاسم: بعد أن أقام البراهين وقطع المعاذير وأفحمهم في شأن عيسى ودعوى الولد وأثبت إحاطة سمعه وعلمه، جاء أمر التخلية والإعراض والوعيد؛ فالمعاند الذي لا يزيده وضوح البرهان إلا لجاجة لم يبقَ في علاجه إلا انتظار يوم الجزاء الحاسم.
تسلية فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم: تخفيف الحزن عن قلب الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا تذهب نفسه عليهم حسرات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الحياة الخالية من الوحي (خوض ولعب):
القرآن يسمي كل فكر وفلسفة وسعي أرضي يتنكب هدى الله (خوضاً ولعباً)؛ لأن الإنسان لم يُخلق عبثاً بل خُلق لغاية كبرى وهي عبادة الله ومعرفته وعمارة الأرض بالحق؛ فإذا ضيع هذه الغاية صار كل نشاطه وجداله مجرد خوض في أوحال الباطل ولعب صبياني بمتاع زائل.
الرد على شبهة الإقرار على الكفر: الأمر في {فَذَرْهُمْ} ليس رضاً بكفرهم ولا إذناً لهم في المعصية، بل هو تهديد مغلف في صيغة الأمر للإشعار بانتهاء مرحلة الجدال وحلول موعد العقاب المحتوم.
الأمر المتضمن لأقصى درجات التهديد: التعبير بـ {فَذَرْهُمْ} فيه استهانة بهم وتحقير لشأنهم؛ فهم أعجز من أن يضروا دين الله شيئاً.
اقتران {يَخُوضُوا} بـ {وَيَلْعَبُوا}: جمع بين فساد الفكر والاعتقاد (الخوض في الشبهات) وبين فساد السلوك والعمل (اللعب والشهوات).
مد الغاية بـ {حَتَّىٰ يُلَاقُوا}: تصوير للمسير الحتمي الصادم نحو ذلك اليوم المهول الذي لا مناص منه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توفير الجهد الدعوي وعدم الانجرار وراء المغالطين: إذا تيقن الداعية أن المعاند مصر على الخوض واللعب دون طلب للحق، فالأولى تركه وتوجيه الجهد لمن يرجى هداه وإيمانه.
الجدية والاستعلاء الإيماني: المسلم يعيش حياته بجدية تامة ورسالة سامية، مترفعاً عن مجالس الخوض واللعب والمهاترات الفارغة.