بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 686)جامع البيانالطبري٢١/٦٨٦ أن الله تعالى يسلّي نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ويوثق له الوعد الصادق بانتقامه من كفار قريش والمكذبين؛ فيقول له: فإن توفيناك يا محمد وقبضناك إلينا وذهبنا بك من دار الدنيا قبل أن تشهد نصرك عليهم ومصارعهم، فإنا لا محالة منتقمون منهم بعد وفاتك؛ إما في الدنيا بعذاب عاجل أو بالقتل والأسر بأيدي أتباعك والمؤمنين، وإما في الآخرة بعذاب جهنم الخالد؛ فلا يفوتنا منهم أحد.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 238)مصدر غير محدد٧/٢٣٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن المعنى: إن قبضناك قبل أن ترى عذابهم فإنا منتقمون منهم لا محالة؛ فحقك مضمون وثأر رسالتك نافذ؛ لأن الله تعالى ناصر دينه ومعلٍ كلمته حياً كنت أو ميتاً.
وقال القرطبي في (تفسيره، ج 16، ص 87)مصدر غير محدد١٦/٨٧: هذا تطمين لقلب النبي صلى الله عليه وسلم بأن عاقبة أمر المكذبين محتومة بالخزي والدمار، وأن تأخير العذاب ليس إهمالاً بل لحكمة الإمهال.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَإِمَّا}: الفاء استئنافية، (إنْ) الشرطية أدغمت في (ما) الزائدة للتوكيد.
{نَذْهَبَنَّ}: الذهاب به: قبض روحه وتوفيه وإخراجه من دار الدنيا، وأكد بنون التوكيد الثقيلة للدلالة على حتمية وقوع أحد الأمرين.
{فَإِمَّا}: الفاء استئنافية، {إِنْ}: حرف شرط جازم، {مَا}: صلة وتوكيد.
{نَذْهَبَنَّ}: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره نحن.
{بِكَ}: جار ومجرور متعلقان بنذهبن.
{فَإِنَّا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، و(نا) اسمها.
{مِنْهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمنتقمون.
{مُنْتَقِمُونَ}: خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفريع الوعد الإلهي على استعصاء هدايتهم: لما قرر في الآية السابقة أنهم صم وعمي في ضلال مبين، فرّع هنا بالفاء {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ} بيان المآل المحتوم لهؤلاء المعاندين؛ وهو الانتقام الإلهي النافذ.
التقسيم المقابل في الآية التالية: قابل بين حالتين لمستقبل النبي صلى الله عليه وسلم:
حالة وفاته قبل رؤية هلاكهم {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ}.
حالة بقائه ليشهد بعينيه هلاكهم {أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ}.
تجريد الدعوة من شخص الداعية: الآية ترسي أدباً نبوياً عظيماً: أن الرسالة رسالة الله، والنصر دين الله، فلا يشترط أن يرى الداعية ثمرة جهده بنفسه في حياته، بل حسبه البلاغ، والله يتكفل بالانتقام والنصر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة تأخر العقوبة والاستدراج: يظن الكفار أن تأخر العذاب دليل على سلامتهم ورضا الله عنهم، والآية تحسم بأن الانتقام قادم لا محالة؛ سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته؛ فالأجل المضروب لا يتقدم ولا يتأخر.
إثبات عصمة الرسالة واستمرارها: موت النبي صلى الله عليه وسلم لا يعطل وعد الله بنصر دينه؛ فالله هو الحي القيوم الذي يدبر الأمر وينتقم من الجاحدين عبر التاريخ.