بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 640)جامع البيانالطبري٢١/٦٤٠ أن الله تعالى يمتن على عباده بخلقه لجميع الأزواج؛ والأزواج هنا هي الأصناف والأنواع والأشكال المتباينة من الحيوان والنبات والجماد؛ من ذكر وأنثى، وحلو وحامض، وأبيض وأسود، وسائر المتقابلات في الكون، وسخر لكم من السفن الجارية في البحار (الفلك) ومن الإبل والخيل والبغال والحمير (الأنعام والدواب) ما تركبونه في أسفاركم وتنقلاتكم حاملين أثقالكم إلى البلدان.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 224)مصدر غير محدد٧/٢٢٤ عن مجاهد وقتادة أن الأزواج تشمل سائر أصناف المخلوقات؛ فكل ما خلق الله زوجان: الليل والنهار، والشمس والقمر، والبر والبحر، والذكر والأنثى، وهو سبحانه الفرد الصمد الذي لا ند له ولا شريك.
وأوضح القرطبي أن الجمع بين الفلك والأنعام جمع بين وسائط السفر النهري والبحري (سفن البحر) ووسائط السفر البري (سفن البر؛ وهي الإبل والأنعام).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْأَزْوَاجَ}: جمع زوج، ويطلق على الصنف والنوع، وعلى المقترنين من ذكر وأنثى، وعلى الشيء ونظيره أو ضده.
{الْفُلْكِ}: السفن، وتطلق على المفرد والجمع، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد.
{الْأَنْعَامِ}: الإبل والبقر والغنم، ويغلب في الركوب الإبل.
الإعراب:
{وَالَّذِي}: معطوف في محل رفع.
{خَلَقَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول.
{مِنَ الْفُلْكِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مقدمة من ما.
{وَالْأَنْعَامِ}: معطوف مجرور بالكسرة.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لجعل.
{تَرْكَبُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، وجملة الصلة لا محل لها، والعائد محذوف تقديره (تركبونه).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعميم في الخلق والتخصيص في النعمة:
عمم أولاً في قوله: {خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا} للدلالة على الإحاطة وكمال القدرة وعموم الخلق التام.
ثم خصص ما يمس الإنسان مباشرة: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} لاستحضار المنة وموجب الشكر.
التقابل والعموم الجغرافي والإحاطة: جمع بين وسيلة ركوب البحر (الفلك) ووسيلة ركوب البر (الأنعام)؛ لتشمل المنة كافة أرجاء المعمورة وحركات التنقل البشري.
التوطئة لبيان الآداب الإيمانية في الركوب: مهد بهذه النعم لأعظم توجيه قرآني في آداب السفر وتسخير المركوبات في الآية التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
برهان الزوجية الكونية على وحدانية الخالق: القانون الكوني العام القائم على (الزوجية) في كل شيء (الذرة، والشحنات الموجبة والسالبة، والنباتات، والحيوانات، والأجرام) هو أعظم برهان عقلي على تفرد الخالق وتوحده؛ فالكون كله مركّب ثنائي مفتقر، والرب الخالق واحد أحد فرد صمد غني عن الشريك والزوجة والولد: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.
عموم دلالة الفلك والركوب لسائر وسائل النقل المعاصرة: لفظ {الْفُلْكِ} و{مَا تَرْكَبُونَ} يتسع بالعموم اللغوي والتشريعي ليشمل القطارات والسيارات والطائرات والغواصات وسفن الفضاء؛ فكلها مراكب سخرها الله بتمكين الإنسان من تسخير قوانين الحركة والمعادن والرياح.
التوكيد بـ {كُلَّهَا}: لاستيعاب كافة أصناف الكائنات في دائرة الخلق والتسخير.
الاستعارة والمشاكلة في تسمية الإبل سفائن البر بمقابل فلك البحر؛ لما بينهما من التشابه في قطع المسافات وحمل الأثقال.
الإشارة التدبرية: تسخير الجمادات العظيمة والحيوانات الضخمة للإنسان الضعيف هو محض كرم إلهي؛ فلو شاء الله لجعل البحر يبتلع السفن ولجعل الأنعام تتوحش وتعصى على راكبها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التفكر في عظمة قانون الزوجية في الطبيعة وتأكيد وحدانية الله المطلقة.
استشعار منة الله في تيسير وسائل السفر البري والبحري والجوي في العصر الحاضر.
دوام شكر المنعم على تذليل هذه المراكب وتسهيل التواصل بين الشعوب والأقطار.