بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 644)جامع البيانالطبري٢١/٦٤٤ أن هذا تمام الذكر والاعتراف بالعبودية الذي أمر الله به راكب الفلك والأنعام: {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ}؛ أي وإنا بعد مسيرنا في الدنيا وركوبنا لمراكبها راجعون صائرون إلى ربنا بالبعث والنشور بعد الممات، فمجازينا بأعمالنا، فليكن سفر الدنيا مذكراً بسفر الآخرة، ولتكن النقلة على المراكب مذكرة بالنقلة إلى القبور.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 225)مصدر غير محدد٧/٢٢٥ عن مجاهد وقتادة أن في هذه الآية إرشاداً للمسافر إلى استحضار النقلة الكبرى؛ فالمسافر ينتقل من بلد إلى بلد وله مرجع إلى أهله، لكن المرجع الأكبر والمنقلب النهائي هو إلى الله تعالى؛ فالعاقل من جعل سفره في طاعة ربه وزاد معاده التقوى.
واستشهد القرطبي بالحديث النبوي الصحيح في دعاء السفر: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل... آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون" (صحيح مسلم، رقم 1342)صحيح مسلممسلمحديث رقم ١٣٤٢.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَمُنْقَلِبُونَ}: الانقلاب: الرجوع والتحول إلى الأصل، يقال: انقلب إلى أهله إذا رجع إليهم، والمراد به هنا الرجوع إلى الله بالبعث والحساب.
الإعراب:
{وَإِنَّا}: الواو عاطفة على {سُبْحَانَ} من تمام القول المأمور به، {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، و(نا) ضمير متصل مبني في محل نصب اسم إن.
{لَمُنْقَلِبُونَ}: اللام المزحلقة تفيد التوكيد، {مُنْقَلِبُونَ}: خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال الملاءمة بين بداية السفر ومنتهاه: لما بدأ بالركوب والاستواء في الآية السابقة وذكر النعمة الحاضرة، ختم بذكر المصير الأخروي والمنقلب النهائي؛ ليربط عالم الشهادة بعالم الغيب، والبداية بالنهاية.
تقديم الجار والمجرور {إِلَى رَبِّنَا}: لتقرير الحصر والقصر؛ أي: ليس انقلابنا ورجوعنا النهائي إلى دار دنيوية ولا إلى سلطان أرضي، بل إلى ربنا الخالق المالك وحده.
التمهيد لمحاجة المشركين في المعاد: هذا الإقرار بالانقلاب إلى الرب يمهد لنقض عقائد الشرك والإنكار التي سيشرع السياق في تفنيدها في الآيات اللاحقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الربط التربوي بين الحركة الدنيوية والمصير الأخروي: من أعظم البراهين النفسية أن كل حركة للإنسان في الأرض (ركوباً، وسفراً، وسعياً) تنتهي حتماً بالتوقف والرجوع؛ فالإنسان لا يستقر له قرار في الدنيا، وهذا التحول الدائم دليل عقلي على أن الدنيا ليست دار إقامة ومستقر، بل دار ممر وارتحال إلى المنقلب الأبدي.
رد شبهة الغفلة عند النعمة: كثير من الناس يبطرون عند ركوب المراكب الفارهة ويلهيهم الترف، فجاء هذا الأدب القرآني ليقطع دابر الغفلة؛ فيجعل ركوب النعمة سبباً في تذكر القدوم على الله والحساب بين يديه.
التوكيد المزدوج بـ {إِنَّ} واللام المزحلقة: {وَإِنَّا... لَمُنْقَلِبُونَ} للدلالة على اليقين المطلق والقطع الجازم بحتمية الرجوع إلى الله.
التعبير بالاسم {مُنْقَلِبُونَ} دون الفعل: للدلالة على الثبوت والتحقق الراسخ الذي لا يتطرق إليه شك.
الإشارة التدبرية: السفر قطعة من العذاب، وهو نموذج مصغر للرحيل الأكبر؛ فكما يتزود المسافر لطريقه بالزاد والراحلة، فكذلك ينبغي أن يتزود لسفر الآخرة بتقوى الله وصالح الأعمال: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار حقيقة الرحيل والانقلاب إلى الله عند كل سفر وتنقل في وسائل المواصلات.
مراجعة النفس ومحاسبتها: ماذا أعددنا للمنقلب الأكبر ووقفة الحساب؟
صيانة الأسفار والرحلات عن المعاصي والموبقات؛ فإن العبد لا يدري متى ينتهي أجله في سفره.