التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢١/ ٦٥٤-٦٥٦)مصدر غير محدد٢١/٦٥٤ وابن كثير (٧/ ٢٤٢)مصدر غير محدد٧/٢٤٢ والقرطبي (١٦/ ١١٤)مصدر غير محدد١٦/١١٤: هذا نداء الرحمن الرحيم لعباده المتقين الذين استثناهم من عداوة الأخلاء؛ حين يقوم الناس لرب العالمين وتزلزل القلوب وترتعد الفرائص في المحشر، ينادي الله تعالى نداءً يسمعه الخلائق جميعاً: {يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ}، فيرفع أهل المحشر جميعاً رؤوسهم يطمع كل واحد أن يكون منهم، حتى إذا تلا قوله في الآية التالية: {الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ} يئس الكفار وأبلس المجرمون واختص بها المؤمنون المتقون المخلصون.
القراءات المتواترة في ياء المتكلم:
قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر: {يَا عِبَادِي} بإثبات الياء ساكنة في الوصل والوقف.
وقرأ ابن كثير: {يَا عِبَادِيَ} بإثبات الياء مفتوحة في الوصل، وساكنة في الوقف.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف العاشر: {يَا عِبَادِ} بحذف الياء وصلاً ووقفاً اجتزاءً بالكسرة عنها على لغة قريش طلباً للتخفيف والإيجاز.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
{يَا عِبَادِ}: الإضافة هنا إضافة تشريف وتكريم واختصاص برحمة الله ورضوانه.
{لَا خَوْفٌ}: الخوف توقع مكروه في المستقبل.
{تَحْزَنُونَ}: الحزن ألم نفسي ناتج عن فوات محبوب أو وقوع مكروه في الماضي.
الإعراب الدقيق:
{يَا}: حرف نداء مبني على السكون.
{عِبَادِ}: منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وياء المتكلم المحذوفة ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{لَا}: نافية للجنس مهملة لتكرارها أو نافية مهملة دخلت على المبتدأ.
{الْيَوْمَ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بمحذوف الخبر أو بالاستقرار فيه.
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا: نافية مؤكدة للنفي الأول.
{أَنْتُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{تَحْزَنُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ {أَنْتُمْ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج الاستثناء بالأمان المطلق: بعد أن قال سبحانه: {إِلَّا الْمُتَّقِينَ}، خاطبهم مباشرة بهذا النداء الحاني الذي يفيض رحمة وأماناً؛ ليزيل عنهم أي كرب أو وجل يعتري النفوس في ذلك اليوم المشهود.
نفي أصول الآلام النفسية: الإنسان في الدار الآخرة تعتريه هواجس حول ما يستقبله وحول ما تركه خلفه؛ فنفى الله عنهم الخوف مما يستقبلونه من الأهوال، ونفى عنهم الحزن على ما فارقوه في الدنيا من أهل ومال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق الأمن التام المطلق لأولياء الله:
الآية تدل على أن الخوف والحزن منفيان نفياً قاطعاً عن المتقين يوم القيامة؛ فلا يروعهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة بالبشرى، وهذا الأمن ليس نابعاً من عملهم المحض، بل هو بفضل الله ورحمته وضمانته الإلهية لهم.
الفرق بين خوف الدنيا وخوف الآخرة: المؤمن يخاف الله في الدنيا خوفاً يدفعه للعمل ومجانبة المعاصي، فيؤمنه الله يوم القيامة، مصداقاً للحديث القدسي الجليل: «وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ؛ إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (أخرجه ابن حبان وصححه الألباني).
شرف الإضافة {يَا عِبَادِ}: أعلى درجات التكريم والاصطفاء أن ينسبهم الرب الجليل إلى ذاته العلية إضافة رحمة ورعاية وتشريف.
المقابلة بين نفي الخوف ونفي الحزن: استيعاب تام لكل أنواع النعيم الروحي؛ فالأمن من المخاوف وزوال الأحزان هو غاية ما تتطلع إليه الأرواح.
الإسناد بالفعل في {تَحْزَنُونَ}: نفي تجدد الحزن وحدوثه في المستقبل بأي صورة من الصور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الشوق إلى النداء الرباني: العبد الصالح يعيش في الدنيا مشتاقاً إلى سماع هذا النداء التكريمي من رب العالمين يوم القيامة، ويهون في سبيل نيل هذا الأمان كل تعب ونصب دنيوي.
الطمأنينة الإيمانية: من كان مع الله في رخائه كان الله معه في شدته وأهوال محشره.