بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 646)جامع البيانالطبري٢١/٦٤٦ أن الهمزة في {أَمِ} للاستفهام الإنكاري والتوبيخي؛ والمعنى: أتقولون أيها المشركون إن ربكم اختار لنفسه من مخلوقاته البنات اللاتي تكرهونهن لأنفسكم، وخصكم أنتم بالبنين ورزقكم إياهم خالصين صافين؟ أهذا حكم يقبله عقل أو يرتضيه منصف؟
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 226)مصدر غير محدد٧/٢٢٦ أن هذا تبكيت شديد وتوبيخ عظيم لعقول المشركين السخيفة؛ حيث نسبوا إلى الله أحقر القسمين عندهم وآثروا أنفسهم بأفضلهما، كما قال تعالى في سورة النجم: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى}.
وأشار القرطبي إلى أن {أَمْ} منقطعة بمعنى (بل) والهمزة؛ للإضراب الانتقالي إلى تسفيه عقولهم وبيان تناقضهم المخزي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَمِ}: منقطعة تتضمن معنى الإضراب والاستفهام الإنكاري.
{أَصْفَاكُمْ}: أصفاه بالشيء: اختصه به خالصاً صافياً من الشوائب، مأخوذ من الصفوة.
الإعراب:
{أَمِ}: حرف إضراب واستفهام إنكاري مهمل مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
{اتَّخَذَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله.
{مِمَّا}: {مِنْ}: حرف جر، {مَا}: اسم موصول مبني في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال مقدمة من بنات أو باتخذ.
{يَخْلُقُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر، وجملة الصلة لا محل لها.
{بَنَاتٍ}: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَأَصْفَاكُمْ}: الواو عاطفة، فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، والفاعل مستتر، والكاف مفعول به، والميم للجمع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تسفيه المنطق الجاهلي بالمحاكمة الداخلية: بعد أن بيّن في الآية السابقة أنهم جعلوا له جزءاً، فصّل هنا هذا الجزء الباطل وبين شناعة اختيارهم المزعوم.
التقابل بين {بَنَاتٍ} و{بِالْبَنِينَ}: لإظهار جور القسمة؛ جعلوا لله البنات التي يرونها نقيصة، واستأثروا بالبنين الذين يرونهم فخراً وقوة.
التعبير بـ {مِمَّا يَخْلُقُ}: تذكير بعظيم ملكه؛ فكل ما في الوجود خلقه وتصنيعه، فكيف يتخذ الخالق من مخلوقه ولداً؟
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
محاكمة التناقض المعياري للوثنية: يحاكم القرآن المشركين بمنطقهم الداخلي الخاص: أنتم تعدون ولادة الأنثى عاراً وموجباً للحزن والوأد، ثم تجرؤون على نسبة البنات إلى من تعترفون بأنه رب السموات والأرض العزيز العليم! فلو كان لله ولد -تعالى عن ذلك- لكان أولى بالكمال والأعلى من كل وجه، فكيف تنسبون إليه ما تأبونه لأنفسكم؟
بطلان دعوى الاصطفاء المزعومة: التعبير بـ {أَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ} تهكم بليغ يقطع حبال دعاويهم ويفضح فساد مقاييسهم.