التوجيه بالمأثور وأثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
روى الطبري في جامع البيان (٢١/ ٦٥١-٦٥٣)مصدر غير محدد٢١/٦٥١، وابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٤١-٢٤٢)مصدر غير محدد٧/٢٤١، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تفسير هذه الآية العظيمة قال: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران؛ فمات أحد المؤمنين وبُشّر بالجنة، فذكر خليله وقال: اللهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، وينهاني عن معصيتك ومعصية رسولك، ويخبرني أني ملاقيك، فاللهم لا تضله بعدي حتى تريه ما أريتني، وترضى عنه كما رضيت عني! ثم يموت الآخر فيجتمعان، فيقول أحدهما للآخر: جزاك الله خيراً؛ فنعم الأخ ونعم الصاحب ونعم الخليل كنت! ومات أحد الكافرين وبُشّر بالنار، فذكر خليله وقال: اللهم إن فلاناً كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، وينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويخبرني أني غير ملاقيك، فاللهم لا تهده بعدي حتى تريه ما أريتني، وتسخط عليه كما سخطت عليّ! ثم يموت الكافر الآخر فيجتمعان، فيقول أحدهما للآخر: لا جزاك الله خيراً؛ فبئس الأخ وبئس الصاحب وبئس الخليل كنت! فأنزل الله تصديق ذلك: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْأَخِلَّاءُ}: جمع خليل، وهو الصديق الخالص الذي تخللت مودته في خِلال القلب (أي باطنه ومساماته) حتى ما بقي لغيره موضع.
{عَدُوٌّ}: فعول، يطلق على المفرد والجمع، وهو المناوئ والمبغض الذي يتمنى ويسعى في إيقاع الشر بصاحبه.
{الْمُتَّقِينَ}: جمع متقٍ، وهو من جعل بينه وبين عذاب الله وسخطه وقاية بفعل الأوامر واجتناب النواهي وتجريد التوحيد.
{يَوْمَئِذٍ}: يوم: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بمحذوف حال أو بعدو، إذ: اسم مبني على السكون في محل جر مضاف إليه، وحرك بالكسر ونُوّن تنوين عوض عن جملة محذوفة (أي يوم إذ تأتيهم الساعة أو يوم إذ تقوم القيامة).
{عَدُوٌّ}: خبر المبتدأ الثاني مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة الاسمية {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} في محل رفع خبر المبتدأ الأول {الْأَخِلَّاءُ}.
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{الْمُتَّقِينَ}: مستثنى متصل منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانكشاف التام لحقائق العلاقات البشرية: بعد ذكر مباغتة الساعة للغافلين، بين القرآن ماذا يحل بأوثق الروابط الإنسانية وأعمقها (الخلة والصداقة) حين تقوم القيامة؛ فكل رابطة لم تقم على الإيمان والتقوى تنقلب إلى عداوة ولعن وضغينة، ولا يثبت في ذلك الهول العظيم إلا رابطة التقوى والمحبة في الله.
التمهيد لنداء التكريم للمتقين: هذا الاستثناء البديع {إِلَّا الْمُتَّقِينَ} مهد مباشرة للنداء الإلهي الملكي الحاني في الآية التي تليها: {يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك فلسفة الصداقات الدنيوية القائمة على المصلحة أو المعصية:
الآية تؤصل قاعدة نفسية واجتماعية خالدة: كل مودة اجتمع عليها اثنان في الدنيا على معصية الله أو على زخرف الدنيا الفاني، ستنقلب حتماً في الآخرة إلى عداوة محضة؛ لأن كل طرف يرى أن صاحبه كان سبباً في إيراده موارد الهلاك والعذاب في جهنم، فيلعن أحدهما الآخر: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا}.
خلود المحبة الإيمانية: رابطة التقوى رابطة ربانية موصولة بالباقي الذي لا يموت، فلذلك تبقى وتزدهر وتخلد في الجنة؛ لأنها قامت لله وفي الله، وما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.
التعبير بالجملة الاسمية: لإفادة الثبوت والتقرير؛ فالانقلاب إلى العداوة حقيقة ثابتة لا تخلف فيها لأهل الباطل.
عموم الخلة وعظمة الاستثناء: شملت كلمة {الْأَخِلَّاءُ} كل صور الصداقة الوثيقة، وجاء الاستثناء {إِلَّا الْمُتَّقِينَ} ليحصر السلامة والخلود في أهل التقوى حصراً جلياً.
الإشارة التدبرية: أعظم ناصح لك في الدنيا هو من يذكرك بالله ويعينك على طاعته؛ وأغشك من يزين لك المعصية ويلهيك بزخرف الدنيا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الميزان القرآني في اختيار الأصحاب: تحري مصاحبة أهل الإيمان والتقوى والابتعاد الحاسم عن صحبة أهل الفسق والبدع والمعاصي، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» (رواه الترمذي وأبو داود وأحمد).
مراجعة شبكة العلاقات الإنسانية: ليتأمل كل مسلم فيمن يقضي معهم جل وقته: هل يجمعهم ذكر الله والتعاون على البر والتقوى أم يجمعهم اللغو والمعصية وتضييع الأوقات؟