بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 681)جامع البيانالطبري٢١/٦٨١ أن هذا الضلال والغرور يستمر بهذا المعرض وقرينه الشيطاني في الدنيا، حتى إذا جاءنا يوم القيامة للحساب والجزاء مقرونين معاً في سلسلة واحدة، وانكشفت الحقيقة وزال الوهم، التفت الإنسي النادم إلى قرينه الشيطاني الذي أضله وصده قائلاً في حسرة وألم: {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ}؛ أي يا ليت كان بيني وبينك من المسافة والبعد مثل ما بين المشرق والمغرب، فبئس الصاحب والرفيق والقرين كنت لي في الدنيا!
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 237)مصدر غير محدد٧/٢٣٧ قراءة الحرميين وأبي عمرو وحفص (جَاءَنَا) بالإفراد؛ أي: جاء المعرض ربه ومعه قرينه، وقرأ الباقون: (جَاءَانَا) بألف التثنية؛ أي: جاء الإنسي وقرينه الشيطاني معاً إلى موقف العرض.
وذكر القرطبي أن المراد بـ {بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ}: المشرق والمغرب؛ فغلّب المشرق على المغرب كعادة العرب في تثنية الأشياء المتقابلة بتغليب أحدهما؛ كالقمرين (الشمس والقمر)، والعمرين (أبي بكر وعمر)، والأسودين (التمر والماء).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ}: أقصى مسافة متباعدة في الأرض؛ والمراد بها ما بين المشرق والمغرب على التغليب، أو مشرق الصيف ومشرق الشتاء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسدال الستار على الوهم وانكشاف الكارثة: بعد أن صور اغترارهم في الدنيا {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}، نقل المشهد مباشرة بحرف الغاية {حَتَّى} إلى يوم القيامة لتصوير صدمة المفاجأة والانهيار التام لهذا الوهم.
التلازم في العقاب: كانا قرينين في الدنيا على المعصية، فجعلا قرينين في الآخرة في الأصفاد والسلاسل، ليذوق كل منهما مرارة صحبة الآخر.
التعبير بالتمني المستحيل {يَا لَيْتَ}: لإظهار فداحة الحسرة التي تعتصر قلب الظالم بعد فوات الأوان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مصير الصداقات القائمة على معصية الله: الآية تقرر حقيقة حتمية: كل صحبة وصداقة وملازمة قامت على محاربة الحق والإعراض عن ذكر الله تنقلب يوم القيامة إلى أشد العداوة واللعان والتباغض: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
دلالة التغليب البلاغي في {الْمَشْرِقَيْنِ}: التعبير ببعد المشرقين يصور أقصى نقطتين في مدارك الإنسان الحسي؛ لبيان شدة مقت الإنسان لذلك القرين وتمنيه لو كان يفصله عنه أقصى اتساع ممكن في الوجود.