بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 673)جامع البيانالطبري٢١/٦٧٣ أن معنى الآية العظيمة: ولولا كراهة أن يجتمع الناس كلهم على الكفر ويصيروا أمة واحدة في الضلال إذا رأوا الكفار يتقلبون في أقصى درجات الثراء والترف والنعيم، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً مصنوعة من خالص الفضة، ومعارج؛ أي سلالم ومصاعد من فضة يصعدون عليها ويظهرون على سطوحها؛ وذلك لهوان الدنيا وحقارتها عند الله تعالى وتفاهة قيمتها في ميزانه.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 235)مصدر غير محدد٧/٢٣٥ عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي أن المعنى: لولا أن يفتتن ضعفاء الإيمان فيكفروا جميعاً طلباً للمال الفاحش، لأعطينا الكافر ما لا عين رأت من الفضة والزخرف؛ لأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، كما جاء في الحديث الصحيح في سنن الترمذي (رقم 2320)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٢٠: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء".
وأوضح القرطبي أن الآية تقطع دابر الانبهار بزخرف الكفار وقصورهم؛ فالله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين والإيمان إلا لمن يحب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{سُقُفًا}: جمع سقف، وقرأ ابن كثير وأبو جعفر (سَقْفًا) بالإفراد على إرادة الجنس، وقرأ الباقون (سُقُفًا) بالجمع.
{مَعَارِجَ}: جمع معرج أو معراج؛ وهي المصاعد والدرج والسلالم التي يرتقى عليها إلى العلو.
{يَظْهَرُونَ}: يعلون ويرتقون ويصعدون على تلك المعارج.
الإعراب:
{وَلَوْلَا}: الواو استئنافية، {لَوْلَا}: حرف امتناع لوجود شرطية غير جازمة.
{أَنْ}: حرف مصدري ونصب.
{يَكُونَ}: فعل مضارع ناقص منصوب بالفتحة، والمصدر المؤول في محل رفع مبتدأ وخبره محذوف وجوباً تقديره (موجود أو حاصلاً)؛ أي: ولولا كون الناس أمة واحدة كافرة موجوداً لجعلنا.
{النَّاسُ}: اسم يكون مرفوع بالضمة.
{أُمَّةً}: خبر يكون منصوب بالفتحة.
{وَاحِدَةً}: نعت لأمة منصوب بالفتحة (أي مجتمعة على الكفر لفرط الفتنة بالثراء).
{لَجَعَلْنَا}: اللام واقعة في جواب لولا، فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والجملة لا محل لها جواب لولا.
{لِمَنْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مقدمة أو بجعلنا.
{يَكْفُرُ}: صلة الموصول.
{بِالرَّحْمَنِ}: جار ومجرور متعلقان بيكفر.
{لِبُيُوتِهِمْ}: بدل اشتمال من (لمن) بإعادة الجار، أو متعلق بجعلنا، والهاء مضاف إليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحطيم الصنم المادي والبريق الزائف: بعد أن حكى اعتراضهم على النبوة بقلة المال والجاه في الآية (31)، جاءت هذه الآيات الثلاث (33-35) لتنسف قيمة المال والمظاهر من جذورها، وتبين أن الفضة والذهب والقصور أهون عند الله من أن تكون دليلاً على الكرامة أو مانعاً من العذاب.
رحمة الله بضعفاء الإيمان: علق الامتناع عن إعطاء الكافر هذه القصور الفضية بحكمة الحفاظ على إيمان البشرية {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}؛ رحمة بالخلق لئلا يفتتنوا بالمظاهر المادية فيتبعوا الكفر طمعاً في الثراء الفاحش.
التعبير بـ {يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ}: لإبراز شدة المقارنة؛ يكفر بفيض الرحمة المطلقة، ويُغمر مع ذلك بعوارض المتاع التافهة دلالة على حقارتها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
علاج فتنة انبهار المسلمين بثراء الغرب والملحدين: الآية تقدم درساً عقدياً وفلسفياً معاصراً بالغ الأهمية: تقلب الملحدين والكافرين في القصور وناطحات السحاب والتكنولوجيا ووسائل الرفاهية ليس علامة رضا إلهي، ولا برهاناً على صحة مناهجهم، بل هو مصداق لهذه الآية الكريمة؛ فالدنيا أعطيت لهم لأنها جنتهم الوحيدة ولا نصيب لهم في الآخرة، فلا ينبغي لمسلم أن يفتتن ببريقهم المادي الزائل.
الرد على من يجعل الثراء مقياساً للحق: العقل السليم يدرك أن ما يشترك فيه الكافر والحيوان والبهيمة (وهو التمتع بالمأكل والمسكن الفاره) لا يمكن أن يكون هو معيار الشرف الإنساني، بل معيار الشرف هو المعرفة بالله والتقوى.
التصوير الحسي الباذخ: رسم مشهد القصور ذات السقوف الفضية والمعارج الصاعدة لتجسيد قمة الرفاهية في المخيال البشري، ثم تهوينها في كلمتين: {مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}.
الإيجاز بالحذف في جواب لولا وتركيبه الشرطي البديع لإفادة عظمة الحكمة الإلهية في إدارة الابتلاء البشري.
الإشارة التدبرية: هوان الدنيا عند الله جعلها نهباً للكفار والفجار، وشرف الآخرة عند الله جعلها خالصة للمتقين والأبرار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحصين الشباب المسلم من فتنة الانبهار بالحضارة المادية الغربية الخاوية من الإيمان والروح.
الزهد في فضول المباحات وعدم التكالب على حطام الدنيا وزينتها الفانية.
اليقين بأن الفقر في ظل الإيمان خير من كنوز قارون في لجج الكفران.