بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 680)جامع البيانالطبري٢١/٦٨٠ أن الضمير في {وَإِنَّهُمْ} يعود على الشياطين المقيدين، والضمير في {لَيَصُدُّونَهُمْ} يعود على المعرضين عن ذكر الرحمن؛ والمعنى: وإن هؤلاء الشياطين والقرناء ليصرفون هؤلاء المعرضين عن طريق الحق ودين الله وصراطه المستقيم، ويزينون لهم الكفر والضلال والبدع، والمصيبة الكبرى أن هؤلاء المعرضين الضالين يظنون ويتوهمون ويحسبون أنهم على هدى وبصيرة ورشاد!
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 237)مصدر غير محدد٧/٢٣٧ أن هذا هو الضلال المركب والعمى المطبق؛ وهو أخبث أنواع الضلال؛ أن يفعل الإنسان الباطل وهو يعتقد أنه يحسن صنعاً، كما قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}.
وذكر القرطبي أن تزيين الباطل حتى يراه صاحبه حقاً هو أعظم أسلحة إبليس وقرنائه في إهلاك بني آدم وإغلاق منافذ التوبة عليهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَيَصُدُّونَهُمْ}: الصد: الصرف والمنع والإبعاد عن الغاية بقوة وحيلة.
{السَّبِيلِ}: صراط الله المستقيم ومنهاج دينه الحق؛ وعُرّف بأل العهدية الدالة على سبيل النجاة الوحيد.
{وَيَحْسَبُونَ}: الحسبان: الظن والتوهم الباطل الذي لا يستند إلى برهان.
الإعراب:
{وَإِنَّهُمْ}: الواو عاطفة أو حالية، {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب اسم إن، والميم للجمع (يعود على الشياطين).
{لَيَصُدُّونَهُمْ}: اللام المزحلقة، {يَصُدُّونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به، والميم للجمع (يعود على المعرضين)، والجملة خبر إن.
{عَنِ السَّبِيلِ}: جار ومجرور متعلقان بيصدونهم.
{وَيَحْسَبُونَ}: الواو حالية، فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل (يعود على المعرضين).
{أَنَّهُمْ}: {أَنَّ}: حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها، والميم للجمع.
{مُهْتَدُونَ}: خبر أن مرفوع بالواو، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي يحسبون، وجملة يحسبون في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل عمل القرين الشيطاني وخطورته: بعد أن بيّن تقييض الشيطان في الآية السابقة، فصّل هنا عمله الخبيث المزدوج: (الصد الخارجي عن السبيل)، و(التزيين الداخلي بإيهام الاهتداء).
الجمع بين التوكيدين في خبر إن: اللام المزحلقة ونون التوكيد في الفعل تدل على شراسة هذا الصد وإحكامه.
التمهيد لمشهد الفضيحة والندم في اليوم الآخر في الآية التالية: {حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
التحليل النفسي لظاهرة (الجهل المركب والتبرير الذاتي): تكشف الآية داءً نفسياً وفكرياً خطيراً؛ وهو أن الإنسان إذا استسلم لقرناء السوء وتعامى عن الحق، يصاب بآلية الدفاع النفسي الباطلة (التبرير)، فيرى قبائحه فضائل، ويرى انحرافه تقدماً وتطويراً واهتداءً؛ وهذا يقطع حجة من يدعي أنه "معذور بحسن نيته"؛ فحسن النية إذا لم ينضبط بالدليل والوحي فهو استدراج شيطاني مهلك.
هل يعذر الجاهل الذي يحسب نفسه مهتدياً مع قدرته على التعلم؟ أئمة التحقيق (كابن تيمية وابن القيم) يقررون أن من بلغه القرآن وتمكن من معرفة الحق فتعامى عنه وآثر هوى نفسه وقرناءه فظن أنه مهتدٍ، لا عذر له قط؛ لأنه فرط في طلب الحق وتسبب في عمى قلبه باختياره وإعراضه عن الذكر.