التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري في جامع البيان (٢٢/ ٩)مصدر غير محدد٢٢/٩، وابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٥٥)مصدر غير محدد٧/٢٥٥، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٢٧)مصدر غير محدد١٦/١٢٧: {حم} خامسة الحواميم السبع المكية المباركة في ترتيب المصحف الشريف. وهي من الحروف المقطعة التي افتتح الله بها تسعاً وعشرين سورة من كتابه العظيم؛ قال عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والحسن البصري: هي حروف مقطعة استأثر الله تعالى بعلم حقيقتها وتأويلها، وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى، وقيل قسم أقسم الله به، والقول الأرجح المعتمد عند محققي السلف والمفسرين كأبي العباس بن تيمية وابن القيم وابن كثير: أنها فواتح سيقت لبيان إعجاز القرآن العظيم والتحدي به؛ إذ هو مركب من هذه الحروف الهجائية التي ينطق بها العرب ويتحدثون بها، ومع ذلك عجزوا عن معارضته أو الإتيان بسورة من مثله؛ ولذلك جاء عقيبها مباشرة القسم بالكتاب والتنويه بشأن التنزيل: {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الصوتيات والأداء القرائي:
{حم}: صوتا (الحاء) و(الميم). تُقرأ بلفظ أسمائها هجاءً ساكنة الأعجاز: (حَا مِيمْ)، مع مد الياء في (ميم) مداً لازماً حرفياً مخففاً بمقدار ست حركات.
القراءات المتواترة: قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر وأبو بكر عن عاصم بإمالة الألف من (حا) إمالة كبرى؛ وقرأ ورش عن نافع وأبو عمرو بالتقليل (بين بين)؛ وقرأ الجمهور (ابن كثير، نافع من رواية قالون، ابن عامر، حفص عن عاصم، أبو جعفر، يعقوب) بالفتح التام.
الإعراب الدقيق:
{حم}: اسم للسورة أو حرف تهجٍ؛ وفيه أوجه:
١. مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وخبره جملة القسم أو ما بعدها.
٢. خبر لمبتدأ محذوف تقديره: (هذه حم).
٣. في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: (اتلُ حم).
٤. حرف هجاء مبني على السكون لا محل له من الإعراب مسوق للتنبيه والإعجاز، وهو الأقعد في القواعد الإعرابية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاستفتاح الموحد لأسرة الحواميم: تتطابق الحواميم السبع في مطلعها بافتتاحها بـ {حم} ثم الإتباع المباشر بالثناء على القرآن العظيم وبيان تنزيله ومصدره الإلهي؛ مما يشكل وحدة عضوية ونغماً بنائياً متآخياً يربط هذه السور المباركة برباط التوحيد والإعجاز.
براعة الاستهلال: التمهيد بقرع الأسماع بهذه الحروف الشريفة لإيقاظ الأذهان وتهيئتها لاستقبال النبأ العظيم القادم: إنزال القرآن في الليلة المباركة المفرّق فيها كل أمر حكيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة الحروف المقطعة ودحض دعاوى العبث والاستشراق:
زعم بعض المستشرقين والملاحدة أن هذه الحروف رموز سرية أو اختصارات غامضة لا معنى لها؛ والرد العقلي والنصي المحكم: القرآن نزل بلسان عربي مبين، والعرب أهل لسان وفصاحة، ولو كانت هذه الفواتح خارجة عن أساليب كلامهم وتحديهم لكان المشركون أسرع الناس إلى الطعن في القرآن بها والاعتراض عليها؛ فلما سكتوا عنها وأذعنوا لبلاغتها علمنا قطعاً أنها جارية على سنن العرب في الاستفتاح والقرع والتحدي، وإثبات أن القرآن مؤلف من جنس لغتهم ومع ذلك بهر عقولهم وعجزوا عن مضاهاته.