التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢١/ ٦٨٥-٦٨٦)مصدر غير محدد٢١/٦٨٥ وابن كثير (٧/ ٢٥٣)مصدر غير محدد٧/٢٥٣ والقرطبي (١٦/ ١٢٥)مصدر غير محدد١٦/١٢٥: لئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين المصرين على عبادة الأوثان والأنداد: من خلقكم وأوجدكم من العدم ودبر شؤونكم؟ ليجيبنك باعتراف جازم لا تردد فيه: خلقنا الله وحده؛ فكيف يُصرفون عن عبادته وحده ويعدلون به أحجاراً وأصناماً لا تخلق ولا ترزق ولا تملك نفعاً ولا ضراً؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{لَيَقُولُنَّ}: فعل مؤكد بنون التوكيد الثقيلة للدلالة على ثبات اعترافهم الفطري بالخلق.
{يُؤْفَكُونَ}: الإفك: الصرف والقلب وتغيير الشيء عن وجهه الحقيقي؛ والمراد: كيف يُصرفون عن عبادة الخالق وحده إلى عبادة الأصنام مع اعترافهم بالربوبية؟!
الإعراب الدقيق:
{وَلَئِنْ}: الواو استئنافية، اللام موطئة للقسم، إن: حرف شرط جازم مبني على السكون.
{سَأَلْتَهُمْ}: فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل، والهاء مفعول به، والميم للجمع.
{مَنْ}: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{خَلَقَهُمْ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به، والميم للجمع، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاستفهامية سدت مسد مفعول سألت الثاني.
{لَيَقُولُنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم المحذوف، يقولن: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون نون التوكيد الثقيلة، وجملة جواب القسم لا محل لها وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل لفعل محذوف تقديره (خلقنا الله)، أو مبتدأ خبره محذوف.
{فَأَنَّىٰ}: الفاء عاطفة لترتيب الإنكار والتعجيب، أنى: اسم استفهام يفيد التعجب والإنكار بمعنى (كيف) مبني في محل نصب على الحال.
{يُؤْفَكُونَ}: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المحاصرة العقلية بالمحكمات الفطرية: بعد أن رد شبهاتهم في الشفاعة وعيسى والولد، واجههم بأعظم تناقض يعيشونه في حياتهم؛ اعترافهم الصريح بأن الله وحده هو الخالق، وممارستهم الشرك بعبادة غيره؛ لإلزامهم بالحجة وإسقاط كل عذر لهم.
التمهيد لشكوى الرسول صلى الله عليه وسلم في الآية التالية: هذا التناقض الصارخ والمكابرة الباطلة كانت السبب المباشر لشكوى النبي صلى الله عليه وسلم لربه في قوله: {وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية (الإلزام القرآني المحكم):
القرآن يؤصل المنهج العقلي الإلزامي للمشركين: الإقرار بالخلق (الربوبية) يستلزم عقلاً وبداهة الإفراد بالعبادة (الألوهية)؛ إذ كيف يخلقك الله وحده بلا شريك ثم تذهب فتعبد شريكاً لم يخلقك؟! هذا قلب للحقائق وانتكاس للعقول وسفه مطبق: {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}.
كشف طبيعة شرك قريش: كفار قريش لم يكونوا منكرين لوجود الله ولا لكونه الخالق الرازق، بل كان شركهم في الألوهية باتخاذ الشفعاء والوسائط؛ والآية تدمغ هذا الشرك بالحجة العقلية الصريحة.
توكيد اعترافهم باللام والنون المشددة: {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} للدلالة على أنه اعتراف فطري قاطع لا تردد فيه ولا تأتأة عندهم حين يُسألون عن الخالق.
التعجيب بـ {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}: إبراز لشناعة انصرافهم عن التوحيد؛ وكأن عقولهم قد قلبت وصرفت عن البديهيات الواضحة بفعل الهوى والتقليد الأعمى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
البناء على المشتركات العقلية والفطرية في الحوار: الداعية يبدأ مع المخالف من المسلمات الفطرية المعترف بها لديه (كالاعتراف بالخالق وبنعمته) ثم يلزمه بنتائجها المنطقية وهي إفراد الله بالعبادة والشكر.
الحذر من تناقض القول والعمل: المسلم يحذر أن يقر بلسانه بربوبية الله وأمره ثم يعطل ذلك في واقعه وسلوكه بالمعاصي واتباع الشهوات.