بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 654)جامع البيانالطبري٢١/٦٥٤ أن المشركين لما أفلست حجتهم وانقطعت براهينهم، لجؤوا إلى الاحتجاج بالقدر والمشيئة الإلهية على كفرهم وشركهم، فقالوا: لو كره الله عبادتنا للملائكة والأصنام وشاء ألا نعبدهم، لما عبدناهم ولقهرنا على ترك ذلك، فسكوت الله وإمهاله لنا دليل على رضاه عما نصنع! فرد الله عليهم مبيناً ضلال استدلالهم: {مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ}؛ أي ليس عندهم برهان يقيني ولا علم صادق بأن الله راضٍ عن كفرهم، وإنما هو خلط بين المشيئة الكونية والمحبة الشرعية، {إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}؛ أي ما هم إلا يكذبون ويحزرون بظنونهم الفاسدة.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 228)مصدر غير محدد٧/٢٢٨ أن هذه الشبهة تكررت عن المشركين كما في سورة الأنعام: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا}، وهي من أفسد الحجج وأخبثها؛ لأن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب بالنهي عن الشرك وأمر بالتوحيد، فكيف يُزعم رضاه عما نهى عنه وتوعد أهله بالنار؟!
وأوضح السعدي في (تفسيره، ص 764)مصدر غير محدد٧٦٤ أن المشرك لا يحتج بالقدر عن إيمان به، وإنما يفر إليه مغالطة وجدالاً لدفع اللوم وتبرير الانحراف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَخْرُصُونَ}: الخرص: القول بالظن والتخمين والكذب دون علم ولا برهان، وأصله تقدير كمية ثمر النخل على الشجر بالنظر والحزر.
الإعراب:
{وَقَالُوا}: الواو استئنافية، فعل ماض وفاعله.
{لَوْ}: حرف شرط غير جازم (حرف امتناع لامتناع).
{شَاءَ}: فعل ماض مبني على الفتح، {الرَّحْمَنُ}: فاعل مرفوع بالضمة، ومفعول المشيئة محذوف تقديره (عدم عبادتنا إياهم).
{مَا}: نافية.
{عَبَدْنَاهُمْ}: فعل ماض وفاعله ومفعوله، والجملة جواب لو لا محل لها، وجملة الشرط مقول القول في محل نصب.
{مَا}: نافية مهملة لتقدم الخبر.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{بِذَلِكَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من علم.
{مِنْ}: حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراق الجنس.
{عِلْمٍ}: مجرور لفظاً مرفوع محلاً مبتدأ مؤخر.
{إِنْ}: حرف نفي ملغى بمعنى ما.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{يَخْرُصُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف الحيلة الجدلية الأخيرة للمبطلين: لما حاصرهم القرآن بالأدلة السابقة وبكّتهم على كذبهم في أنوثة الملائكة، انكسروا إلى الاحتجاج بالجبر والقدر؛ وهو الملاذ الأخير لكل مجرم مفلس.
الفصل الحاسم بين العلم والخرص: قابل بين انتفاء العلم عندهم {مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} وثبوت الخرص والافتراء {إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}؛ لبيان أن عقيدتهم مبنية على أوهام متهافتة.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية (أصل عقدي جليل):
الإرادة الكونية القدرية: مشيئة الله العامة المحيطة النافذة التي لا يخرج عنها بر ولا فاجر، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقد يقع فيها ما لا يحبه الله كالكفر والمعاصي لحكمة الابتلاء والاختيار الإنساني.
الإرادة الشرعية الدينية: ما يحبه الله ويرضاه من التوحيد والطاعات والعدل، وقد أمر بها وشرعها وحذر من ضدها.
وشبهة المشركين نشأت من الخلط بين المشيئتين؛ فظنوا أن وقوع الشرك بمشيئة الله الكونية يعني رضاه ومحبته وإقراره الشرعي، وهذا باطل عقلاً وشرعاً؛ فالملك يأذن للمتمرد بالاختيار ليعاقبه، ولا يعني إذنه رضاه بتمرد المتمرد.
بطلان الاحتجاج بالقدر على المعائب: العقل الصريح يقضي بأن الاحتجاج بالقدر باطل؛ فلو اعتدى سارق على مال المشرك وقال له: "لو شاء الله ما سرقت منك"، لما قبل المشرك عذره ولبادر إلى عقابه! فكيف لا يقبلون القدر في حقوق أنفسهم ويحتجون به في حق ربهم؟!