بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 700)جامع البيانالطبري٢١/٧٠٠ أن فرعون يطرح شرطه المادي المتعجرف لإثبات نبوة موسى؛ فقال لقومه: فهلا إن كان موسى صادقاً في كونه رسول رب العالمين أُلقي عليه من السماء أساور من ذهب تُحلّى بها ذراعاه كما يُحلّى ملوكنا وعظماؤنا بالذهب والرياش دلالة على السيادة والشرف، أو جاء معه الملائكة مقرونين به يمشون معه متتابعين يشهدون له بالصدق ويعينونه على أمره؟!
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 244)مصدر غير محدد٧/٢٤٤ عن ابن عباس وقتادة أن ملوك مصر في الجاهلية وتاريخ الفراعنة كانوا إذا سوّدوا رجلاً وجعلوه رئيساً حلّوه بأساور الذهب وألبسوه طوقاً من ذهب؛ فقاس فرعون الرسالة والنبوة الإلهية على تقاليد ملكه الباطل، واقترح إلقاء الأساور الذهبية عليه.
وقرأ حفص وابن كثير (أَسْوِرَةٌ) بالجمع، وقرأ الباقون (أَسْوَارٌ) بغير هاء على وزن أفعال؛ وهما جمعان لسوار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَسْوِرَةٌ}: جمع سِوار؛ وهو الحلية المستديرة التي تُلبس في المِعصم والذراع، وغالبها من الذهب.
{مُقْتَرِنِينَ}: جمع مقترن؛ أي مقرونين به مجتمعين متتابعين يمشون في ركابه كالجند والحرس.
الإعراب:
{فَلَوْلَا}: الفاء عاطفة تفيد التفريع على ما ادعاه من مهانة موسى، {لَوْلَا}: حرف تحضيض وتوبيخ؛ بمعنى (هلا).
{مَعَهُ}: ظرف مكان متعلق بجاء أو بمحذوف حال، والهاء مضاف إليه.
{الْمَلَائِكَةُ}: فاعل جاء مرفوع بالضمة.
{مُقْتَرِنِينَ}: حال منصوبة بالياء من الملائكة لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قمة النزعة (الزخرفية) المادية: هذه الآية تمثل الذروة القصوى لفلسفة "الزخرف" التي تحاربها السورة؛ فرعون يطلب أن تتنزل أساور الذهب على موسى لتكون علامة على فضله، وهو عين ما طلبه كفار مكة في الآية (31) حين طالبوا بأن ينزل القرآن على رجل عظيم من القريتين ذي مال وثروة.
التقابل بين الذهب وحراسة الملائكة: جمع فرعون بين مظهرين من مظاهر السلطان الأرضي:
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان قياس النبوة على التقاليد المادية للأباطرة: الآية تفضح السخف العقلي للوثنية حين تشترط للبصيرة الروحية والنبوة الإلهية أن تتزين بالذهب وتتحرك في موكب ملوكي فاره؛ فالرسل بعثوا ليربطوا القلوب برب السماء ويزهدوا في حطام الأرض، فلو جاؤوا بأساور الذهب وحرس الملائكة لصار الدين مظهراً دنيوياً يبطل به معنى الإيمان بالغيب والابتلاء.
شهادة الآيات المعجزة أعظم من أساور الذهب: موسى أيده الله بالعصا واليد البيضاء وفلق البحر؛ وهي معجزات قاهرة تفوق كل ذهب الأرض وتثبت الاتصال المباشر بخالق الوجود، لكن عين الطاغية عمياء لا تبصر إلا الذهب والحلي الزائل.