التوجيه بالمأثور: أورد الطبري في جامع البيان (٢١/ ٦٣٨-٦٤٠)مصدر غير محدد٢١/٦٣٨ وابن كثير (٧/ ٢٣٥)مصدر غير محدد٧/٢٣٥ والقرطبي (١٦/ ١٠٨)مصدر غير محدد١٦/١٠٨ أن الله تعالى لما ذكر ضرب قريش لعيسى بن مريم مثلاً، بين حقيقة شأن عيسى عليه السلام بياناً شافياً حاسماً لا لبس فيه ولا غلو ولا تقصير: فليس عيسى إلهاً كما تدعي النصارى، وليس ساحراً كذاباً كما زعم اليهود، بل هو عبد من عباد الله الصالحين، اصطفاه ربه بالرسالة والنبوة، وأيده بالمعجزات الباهرة والآيات الخارقة، وجعله عبرة وحجة دالة على كمال قدرة الله لبني إسرائيل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
{عَبْدٌ}: العبد هو المخلوق الخاضع المربوب المتعبد لمولاه وخالقه؛ ونفي الألوهية عنه بتقرير العبودية.
{أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ}: الإنعام: إيصال النعمة والفضل؛ والنعمة هنا هي النبوة والرسالة والفضائل والمعجزات.
{مَثَلًا}: آية خارقة وعبرة وحجة دالة على قدرة الصانع العظيم في إيجاده من غير أب.
الإعراب الدقيق:
{إِنْ}: حرف نفي مبني على السكون بمعنى (ما).
{هُوَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، يعود على عيسى بن مريم عليه السلام.
{أَنْعَمْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع نعت لـ (عبد).
{عَلَيْهِ}: جار ومجرور متعلقان بالفعل (أنعمنا).
{وَجَعَلْنَاهُ}: الواو عاطفة، جعل: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول.
{مَثَلًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
{لِبَنِي}: اللام حرف جر، بني: اسم مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف.
{إِسْرَائِيلَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصحيح المسار وحسم الخلاف: بعد تفنيد جدل المشركين في شأن عيسى، جاء التوصيف القرآني الحاسم لحقيقة المسيح عليه السلام؛ ليرد على غلو النصارى الذين رفعوه فوق منزلته، وعلى تفريط اليهود الذين حطوا من قدره، وعلى مشركي مكة الذين شوشوا بمقامه التوحيد الحق.
الارتباط بمقصد السورة: المسيح عليه السلام تجرد من زخرف الدنيا، ولم يكن ملكاً ذا مال وصولجان، ومع ذلك كان رسولاً مكرماً؛ فالمعيار عند الله هو العبودية والإنعام الرباني لا الزخرف الدنيوي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
نسف عقيدة التثليث وتأليه المسيح:
الآية تقرر بدهية عقلية: من كان عبداً مربوباً يُنعَم عليه بالخلق والرسالة والتأييد، استحال عقلاً أن يكون إلهاً؛ فالإله هو الغني المطلق الذي لا يفتقر إلى غيره، والمسيح محتاج إلى من يوجده ومن ينعم عليه ومن يحفظه؛ فكيف يُعبد من كانت نعمته موهوبة له من غيره؟
الرد على استبعاد ولادته من غير أب: جعله الله مثلاً وآية خارقة للعادة ليعلم بنو إسرائيل وسائر الخلق أن الله يخلق ما يشاء كيف يشاء؛ فكما خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، وخلق حواء من أب بلا أم، وخلق سائر البشر من أب وأم، خلق عيسى من أم بلا أب لتكتمل أقسام القدرة الإلهية الأربعة.
أسلوب الحصر والقصر: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ} حصر موصوف على صفة؛ قصر شأن عيسى على العبودية لدفع كل دعوى للألوهية أو البنوة المزعومة.
التعبير بـ {أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ}: إسناد الإنعام إلى نون العظمة الإلهية لبيان أن كل ما حازه المسيح من الفضل والمعجزات هو هبة ربانية محضة، وليس نابعاً من ذاته استقلالاً.
تشريف مقام العبودية: وصف الله لأعظم أنبيائه بالعبودية في معرض المدح والثناء دلالة على أن مقام العبودية لله هو أشرف المقامات الإنسانية وأسماها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتزاز بمقام العبودية لله تعالى: لا شرف للعبد أعظم من كونه عبداً لله خاضعاً لأمره، متجرداً من دعاوى الاستكبار والتعالي.
المنهج الوسط في الأنبياء والصالحين: وجوب محبة الأنبياء والصالحين وتعظيمهم وتوقيرهم بلا غلو يُخرجهم إلى مقام الألوهية، ولا جفاء ينقص من قدرهم ومكانتهم.