بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 636)جامع البيانالطبري٢١/٦٣٦ أن الله تعالى يكشف التناقض الصارخ في عقيدة المشركين؛ فلئن سألتهم يا محمد: من الذي ابتدع السموات السبع والأرض وما فيهما ودبر نظامهما؟ ليعترفن مقهورين بالفطرة والعقل بأنه الله، ولَيقولُنّ: خلقهن العزيز في سلطانه الذي لا يغلب، العليم بكل شيء في ملكوته.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 223)مصدر غير محدد٧/٢٢٣ أن هذا إقرار منهم بتوحيد الربوبية والخلق؛ فهم يعلمون أن آلهتهم وأصنامهم لا تخلق حبة ولا ذرة، ومع ذلك يشركون بها في العبادة؛ وهو عين السفه والتناقض الذي تقوم به الحجة عليهم.
وأوضح ابن عاشور في (التحرير والتنوير، ج 25، ص 164)التحرير والتنويرابن عاشور٢٥/١٦٤ أن إسناد هذا الجواب إليهم مع الصفتين {الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} إما أنه من مقولهم الذي يقرون به، أو هو وحي من الله متمم لجوابهم بما يقتضيه منطق الحق والاعتراف بالخالق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْعَزِيزُ}: المنيع القاهر الذي لا يغلبه شيء ولا يعجزه مراد.
{الْعَلِيمُ}: المحيط بكل شيء علماً؛ ظاهره وباطنه، دقيقه وجليله.
{سَأَلْتَهُمْ}: فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل، والهاء مفعول به.
{مَنْ}: اسم استفهام مبني في محل رفع مبتدأ.
{خَلَقَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة خبر من.
{السَّمَاوَاتِ}: مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَالْأَرْضَ}: معطوف منصوب بالفتحة، والجملة الاستفهامية في محل نصب مفعول به ثانٍ لسألتهم معلقة بالاستفهام.
{لَيَقُولُنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم المحذوف، {يَقُولُنَّ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم.
{خَلَقَهُنَّ}: فعل ماض، وضمير الإناث مفعول به.
{الْعَزِيزُ}: فاعل مرفوع بالضمة.
{الْعَلِيمُ}: نعت للعزيز مرفوع بالضمة، وجملة الفعل والفاعل مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال إلى المحاججة العقلية وإلزام الخصم بإقراره: بعد الترهيب بذكر هلاك الأشد بطشاً، جاء التحكيم الفطري والعقلي الداحض لشركهم؛ فالاستدلال باعترافهم بالخلق يوجب اعترافهم بالاستحقاق الحصري للعبادة.
الجمع بين صفتي {الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ}: لأن خلق هذا الكون الهائل بنظامه البديع يتطلب كمال القدرة والقهر (العزيز) وكمال الحكمة والإحاطة والإتقان (العليم).
توكيد جوابهم باللام والنون المشددة: {لَيَقُولُنَّ} للدلالة على بداهة هذا الجواب ورسوخه في الفطرة؛ فلا يستطيع عاقل أن ينسب خلق السموات والأرض إلى صنم أو بشر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإلزام التلازمي بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية: الحجة القرآنية الدامغة: كيف تعترفون بأن الله وحده هو الخالق العزيز العليم الذي أوجد هذا الكون العظيم، ثم تعبدون معه أصناماً عاجزة لا تخلق شيئاً وهم يخلقون؟ فالإقرار بالربوبية مستلزم عقلاً وشرعاً لإخلاص الألوهية له ونبذ كل شريك.
دحض شبهة الإلحاد بصرخة الفطرة: الآية تقرر أن الفطرة البشرية السوية مجبولة على الإقرار بالخالق؛ فحتى المشركون والوثنيون لم ينكروا وجود الله وخلقه للكون، وإنما طرأ عليهم الشرك في الوسائط، أما إنكار الخالق بالكلية فهو شذوذ فكري ومكابرة للبديهيات العقلية.
الأسلوب الشرطي المؤكد بالقسم: لإبراز الحقيقة التي لا مرية فيها ولا خلاف عليها عند أحد من العقلاء.
دلالة الضمير في {خَلَقَهُنَّ}: يعود على السموات والأرض، وفيه جمع الإناث لما لا يعقل، واستحضار عظمة الصنعة وإتقانها.
الإشارة التدبرية: التناقض بين المعتقد والسلوك علة كل ضلال؛ فالمشرك يقر بلسانه أن الله هو الخالق، ولكنه في صلاته ودعائه ينحرف إلى غيره، والمؤمن الصادق يطابق عمله يقينه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استخدام أسلوب الاستجواب وإلزام الخصم بمسلماته المشتركة في الحوار والمناظرات الدعوية.
إفراد الله بالدعاء والرجاء والخوف والتوكل؛ فمن تفرد بخلق الكون وحده استحق أن يُفرد بالعبادة وحدها.
استشعار عزة الله وعلمه في كل مظهر من مظاهر هذا الوجود البديع.