بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 661)جامع البيانالطبري٢١/٦٦١ أن المعنى: فلما أصر أولئك المترفون على كفرهم وقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، وعاندوا الرسل بعد وضوح الهدى، حل بهم غضبنا وعاجلناهم بالعقوبة والانتقام المستأصل؛ فأغرقنا قوم نوح، وأهلكنا عاداً بالريح، وثمود بالصيحة، وقوم لوط بالحجارة، وفرعون وجنوده باليم؛ {فَانْظُرْ} يا محمد ويا كل ذي عقل وبصيرة، {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}؛ أي كيف صار مآلهم ومصيرهم إلى الهلاك والدمار والخزي الدائم في الدنيا مع ما أعد لهم في الآخرة من الخلود في النار.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 230)مصدر غير محدد٧/٢٣٠ أن هذا تحذير شديد لمشركي مكة وسائر المكذبين من هذه الأمة؛ فإن سنة الله في الانتقام من البغاة لا تحابي أحداً، فليحذروا أن يحل بهم ما حل بأولئك الغابرين.
وذكر القرطبي أن الانتقام من الله تعالى هو إيقاع العدل وإمضاء العقوبة المشروعة بحكمة واستحقاق، لا تشفياً ولا غيظاً، فالله منزه عن الانفعالات البشرية، وانتقامه عدل محض يطهر الأرض من الفساد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَانْتَقَمْنَا}: الانتقام: معاقبة الجاني ومجازاته على ذنبه بالعدل؛ مأخوذ من النقم وهو كراهة الشيء والإنكار عليه وإنزال المكروه به.
{عَاقِبَةُ}: العاقبة: نهاية الأمر ومصيره وخاتمته، ومنه عقب الشيء؛ أي آخره.
الإعراب:
{فَانْتَقَمْنَا}: الفاء عاطفة تفيد السببية والتعقيب السريع، فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{مِنْهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بانتقمنا.
{فَانْظُرْ}: الفاء فصيحة أو عاطفة لترتيب النظر على الهلاك، {انْظُرْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{كَيْفَ}: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان مقدم.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{عَاقِبَةُ}: اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{الْمُكَذِّبِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة (كان واسمها وخبرها) في محل نصب معلقة لفعل النظر سدت مسد مفعوليها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة العقاب بعد بلوغ الغاية في العناد: التعبير بالفاء {فَانْتَقَمْنَا} يدل على أن العقوبة حلت مباشرة بعد إعلانهم الصريح للكفر {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}؛ فإذا بلغ الطغيان مداه انقضت مهلة الإمهال وبدأ ميعاد الاستئصال.
الدعوة إلى النظر والاعتبار: عطف الأمر بالنظر {فَانْظُرْ} للتنبيه على أن ديار الهالكين وآثارهم شاخصة مشهودة، فالعين ترى والقلب يعتبر.
ختام المقطع الأول من السورة: تمثل هذه الآية ختام الشوط الأول من السورة الذي دار حول القرآن وحججه وسنن المكذبين، ليمهد للشوط الثاني الذي يبدأ بنموذج التوحيد والبراءة عند خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام في الآية التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير صفة الانتقام لله تعالى: أهل السنة يثبتون صفة الانتقام لله تعالى كما نطق بها القرآن: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ}، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}، وهو إيقاع العقوبة العادلة على من استحقها بعد إقامة الحجة والإعذار، ولا يشبه انتقام المخلوق القائم على الغيظ والتشفي وضعف النفس؛ فالله غني عن خلقه لا تضره معصيتهم، وإنما ينتقم لصيانة سنن الحق وردع المفسدين وإقامة العدالة الكونية.
حجية النظر في التاريخ البشري: القرآن يجعل دراسة التاريخ البشري وسنن صعود الحضارات وسقوطها أداة معرفية يقينية؛ فالنظر في مصائر الأمم المكذبة برهان تجريبي متكرر يثبت صدق الأنبياء وحتمية هلاك الظالمين.
الإيجاز بالحذف والتهويل: التعبير بـ {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} فيه تهويل للمصير واستحضار لفداحة الدمار الذي حل بهم.
التعبير بـ {الْمُكَذِّبِينَ} بالاسم المشتق: لبيان أن علة الهلاك والانتقام هي التكذيب المستمر المتعمد لآيات الله.
الإشارة التدبرية: القوة المادية والثروة والترف لا تعصم أصحابها من غضب الله، فكم من قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتبار بمصارع الأمم الغابرة والاتعاظ بآثارهم عند المرور عليها أو قراءة تاريخها.
الخوف من مكر الله وسطوته، والحذر الشديد من التكذيب بالحق أو المجاهرة بمعصية الله.
ترسيخ الأمل واليقين في قلوب الدعاة والمؤمنين بنصر الله وانتقامه من الطغاة والظالمين في الوقت الذي تقتضيه حكمته.