التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢١/ ٦٦٦-٦٦٧)مصدر غير محدد٢١/٦٦٦ وابن كثير (٧/ ٢٤٧)مصدر غير محدد٧/٢٤٧ والقرطبي (١٦/ ١١٨)مصدر غير محدد١٦/١١٨: تنزيه الله تبارك وتعالى لذاته العلية عن أدنى شائبة ظلم؛ لم يعذبهم سبحانه بغير ذنب ارتكبوه، ولم يزد في عقابهم على مقدار ما استحقوه بكفرهم، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بإصرارهم على الشرك، ومحاربتهم للأنبياء، وردهم للحق بعد وضوحه وبراهينه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
{ظَلَمْنَاهُمْ}: الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه اللائق به؛ ونفي الظلم عن الله تأكيد لكمال عدله وفضله.
{الظَّالِمِينَ}: المستحقون لوصف الظلم لكمال رسوخه فيهم بإشراكهم وتكذيبهم.
الإعراب الدقيق:
{وَمَا}: الواو عاطفة أو استئنافية، ما: نافية مهملة مبنية على السكون.
{ظَلَمْنَاهُمْ}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والميم للجمع.
{وَلَكِنْ}: الواو عاطفة، لكن: حرف استدراك مبني على السكون لا عمل له.
{كَانُوا}: كان فعل ماض ناسخ مبني على الضم، والواو اسمها.
{هُمُ}: ضمير فصل مبني لا محل له من الإعراب (أو مبتدأ وخبره الظالمين).
{الظَّالِمِينَ}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم (أو خبر المبتدأ هم والجملة خبر كان).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقرير كمال العدل الإلهي عقب مشهد الجحيم: لما وصف شدة عذابهم وأبديته وانقطاع رجائهم، أزال أي توهم بأن في هذا الجزاء ظلماً أو حيفاً، فقرر براءة الساحة الإلهية وأن هذا العذاب هو عين العدل والحكمة والاستحقاق.
إلزام العباد بجناياتهم: تذكير بأن الإنسان هو الذي يختار طريق هلاكه بمحض إرادته وعناده، فيجني ثمار ما زرعت يداه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير عقيدة أهل السنة في العدل الإلهي ونفي الجبر والظلم:
الله تعالى حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً، كما ثبت في صحيح مسلم (رقم ٢٥٧٧)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٧٧ من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا... يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ».
بطلان دعوى المشركين في الاحتجاج بالقدر: المشركون في السورة احتجوا بالقدر قائلين: {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ}؛ فرد الله عليهم هنا مؤكداً أنهم كذبوا وظلموا باختيارهم وكسبهم ومكابرتهم للبينات.
نفي الظلم بالفعل واستدراكه بالاسم: نُفي الظلم عن الله بالفعل {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} ونفي الفعل يدل على عدم صدور الحدث أصلاً، بينما أُثبت الظلم لهم بالاسم المحلى بـ (أل) {الظَّالِمِينَ} الدال على الثبوت والتمكن والاستغراق.
توسط ضمير الفصل {هُمُ}: لإفادة الحصر والتأكيد؛ أي هم المختصون بظلم أنفسهم وجلب الهلاك لها دون غيرهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كمال التسليم لحكمة الله وعدله: المؤمن يوقن بأن الله لا يظلم مثقال ذرة، وأن أقضيته كلها دائرة بين الفضل والرحمة والعدل والحكمة.
محاسبة النفس ومجانبة الظلم: أعظم الظلم هو الشرك بالله، ثم ظلم العباد في دمائهم وأموالهم وأعراضهم؛ فليحذر العبد من الوقوف بين يدي الله بظلامة أحد.