التوجيه بالمأثور: ذكر ابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٣٥)مصدر غير محدد٧/٢٣٥ والطبري (٢١/ ٦٣٧)مصدر غير محدد٢١/٦٣٧ أن قريشاً لما سمعوا مغالطة ابن الزبعرى قالوا مستكبرين فرحين: {أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ}، يعنون: أآلهتنا الأصنام خير أم عيسى بن مريم؟ فإذا كان عيسى في النار بحكم آيتك ونحن نرضى بأن نكون معه، فآلهتنا إذاً أسعد حالاً منه أو مثله، فنزل قوله تعالى كاشفاً حقيقة مرادهم: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}.
الحديث النبوي الشريف في ذم الجدل العقيم: أخرج الإمام الترمذي في سننه (رقم ٣٢٥٣ - وقال: حسن صحيح)، وابن ماجه (رقم ٤٨)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨، وأحمد في المسند (رقم ٢٢٢١٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٢١٠ عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ»، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{جَدَلًا}: الجدل في أصل اللغة: شدة الفتل، ومنه زمام مجدول أي محكم الفتل؛ ثم استعمل في منازعة الخصم ومغالبته بالحجة لفتله وصرفه عن رأيه.
{خَصِمُونَ}: جمع خَصِم، وهو الشديد الخصومة واللدد فيها، على وزن (فَعِل) للمبالغة والصفة المشبهة الدالة على الرسوخ.
الإعراب:
{وَقَالُوا}: الواو عاطفة، فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل.
{هُوَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع معطوف على {آلِهَتُنَا}.
{مَا}: نافية تعمل عمل ليس أو مهملة لدخول إلا.
{ضَرَبُوهُ}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والهاء مفعول به أول.
{لَكَ}: جار ومجرور متعلقان بضربوه.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء مفرغ.
{جَدَلًا}: مفعول لأجله منصوب، أو مصدر في موضع الحال أي مجادلين باطلين.
{بَلْ}: حرف إضراب انتقالي وإبطالي.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{قَوْمٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{خَصِمُونَ}: نعت مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف الدوافع الباطنة: بعد أن ذكر الله مقالتهم وتشبثهم بالمثل المضروب، كشف الغطاء عن مكنون صدورهم؛ فهم لا يبحثون عن معرفة الحق ولا يعتقدون في قرارة أنفسهم أن الأصنام خير من الأنبياء، بل غايتهم محض المراء وإيقاع المشاغبة لإفحام الخصم بزعمهم.
تناسق الأسلوب: الانتقال من حكاية الشبهة إلى إبطالها بالحصر {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا}، ثم إثبات أصل علتهم بـ {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحطيم شبهة الموازنة الباطلة: المشركون كانوا يعلمون أن عيسى بن مريم عبد ونبي عظيم، ولكنهم أظهروا التسوية بينه وبين أصنامهم الحجرية ليلبسوا على العامة. والقرآن بين أن هذا القياس فاسد الاعتبار؛ فالأصنام جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تغني شيئاً، وعيسى رسول كريم مؤيد بالمعجزات يدعو إلى عبادة الله وحده.
تفكيك عقلية الخصومة: اللدد في الخصومة يعمي البصائر؛ فالخصم الملدود يغمض عينيه عن وضوح الحق ويسعى فقط لتسجيل نقاط ظاهرية في المناظرة ولو كانت مبنية على باطل مكشوف.
أسلوب القصر والحصر: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا} نفي واستثناء يفيد قصر ضربهم للمثل على إرادة الجدل الباطل الخالي من طلب الحق.
الإضراب بـ {بَلْ}: إضراب إبطالي ارتقائي ينقل الذهن من مجرد الفعل العارض (ضرب المثل للجدل) إلى الطبيعة المتمكنة في نفوسهم (اللدد والخصومة المتأصلة: {قَوْمٌ خَصِمُونَ}).
التنكير في {قَوْمٌ}: للدلالة على شيوع هذه الخصلة فيهم واجتماعهم عليها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اجتناب الجدل العقيم والمراء: الجدل المذموم هو ما كان لطلب المغالبة والتصدر وإفحام الخصوم بغير حق؛ وهو مسلبة للإيمان ومورثة للعمى والضلالة كما جاء في الحديث الشريف.
ضبط الحوار والمناظرة: إذا تبين للداعية أن محاوره ليس طالباً للحق بل هو صاحب جدل وخصومة معاندة، فالأولى الإعراض عنه وعدم استنزاف الوقت والجهد معه في مهاترات لا طائل من ورائها.