بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 689)جامع البيانالطبري٢١/٦٨٩ أن معنى الآية: وإن هذا القرآن الكريم الذي أنزلناه إليك ومكّناك منه، لشرف عظيم وفخر ورفعة ومنزلة عالية لك يا محمد، ولقومك من قريش والعرب كافة؛ إذ نزل بلغتهم وعلى رجل منهم، وسوف تُسألون جميعاً يوم القيامة عن هذا القرآن؛ ماذا عملتم فيه؟ هل آمنتم به؟ هل أديتم شكره؟ هل قمتم بحقه وتبليغه للعالمين؟
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 239)مصدر غير محدد٧/٢٣٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وسفيان الثوري أن (الذكر) هنا يعني: الشرف والمجد؛ كما قال تعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}؛ أي شرفكم وعزكم في الدنيا والآخرة.
وذكر القرطبي أن قوله: {وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} وعيد للمكذبين وتذكير للمؤمنين بمسؤولية الأمانة الكبرى؛ فالشرف مقترن بالمسؤولية، والنعمة مستوجبة للحساب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{ذِكْرٌ}: الذكر هنا يجمع معنيين عظيمين:
الشرف والمجد والرفعة والصيت الحسن في الآفاق.
التذكير والموعظة والتنبيه على مصالح الدين والدنيا.
{وَسَوْفَ}: حرف استقبال يفيد التراخي والتحقيق والتأكيد للوقوع يوم القيامة.
الإعراب:
{وَإِنَّهُ}: الواو حالية أو عاطفة، إن واسمها (يعود على القرآن).
{لَذِكْرٌ}: اللام المزحلقة، {ذِكْرٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة.
{لَكَ}: جار ومجرور متعلقان بذكر أو بمحذوف نعت له.
{وَلِقَوْمِكَ}: معطوف مجرور، والكاف مضاف إليه.
{وَسَوْفَ}: الواو استئنافية للوعيد، {سَوْفَ}: حرف تسويف واستقبال.
{تُسْأَلُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة مستأنفة مقررة للتحذير والمسؤولية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز المنحة والمسؤولية: لما أمره بالاستمساك بالقرآن في الآية السابقة، بيّن في هذه الآية علة ذلك؛ فالقرآن هو مصدر عزة الأمة وشرفها، لكن هذا الشرف ليس تشريفاً مجرداً بل تكليف وأمانة عظمى سيُسألون عنها.
التدرج في الخطاب: بدأ بالنبي صلى الله عليه وسلم {لَكَ} ثم ثنى بقومه {وَلِقَوْمِكَ}، ثم عمم السؤال والمساءلة للجميع بصيغة الجمع: {وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}.
التمهيد لمحاكمة موقفهم التاريخي: إذا كان القرآن شرفاً لكم، فكيف تعادونه وتصدون عنه؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير حقيقة (العزة القومية والنهضة الحضارية): الآية تقرر قانوناً تاريخياً وحضارياً ثابتاً: العرب قبل الإسلام كانوا قبائل متناحرة في صحراء قاحلة، لا شأن لهم بين الأمم، فلما نزل القرآن جعلهم قادة العالم وهداة البشرية وصنع أعظم حضارة عرفها التاريخ؛ فالعرب لا عزة لهم ولا ذكر ولا قيمة إلا بهذا القرآن، كما قال الفاروق عمر رضي الله عنه: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".
ارتباط النعمة بالسؤال والحساب: كلما عظمت النعمة عظم السؤال عنها؛ فالأمة التي نزل فيها القرآن بلسانها تتحمل وزراً أعظم إن فرطت فيه أو هجرته.