التوجيه بالمأثور: أورد الطبري في جامع البيان (٢١/ ٦٤٧-٦٤٨)مصدر غير محدد٢١/٦٤٧ وابن كثير (٧/ ٢٣٩)مصدر غير محدد٧/٢٣٩ والقرطبي (١٦/ ١١٢)مصدر غير محدد١٦/١١٢ عن مجاهد وقتادة والسدي: أن عيسى بن مريم عليه السلام لما بعثه الله إلى بني إسرائيل بالآيات المعجزات الواضحات الدالات على نبوته وصدقه (وهي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين بإذن الله)، قال لقومه: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ} أي بالنبوة والإنجيل والمواعظ الإلهية التي تحيي القلوب، {وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} من أحكام التوراة والشرائع التي تنازع فيها بنو إسرائيل، وأحل لهم بعض الذي حُرّم عليهم تخفيفاً ورحمة، وأمرهم بتقوى الله وطاعته في التوحيد والامتثال.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
{الْبَيِّنَاتِ}: جمع بينة، وهي الحجة والبرهان والمعجزة الظاهرة الواضحة التي تبين الحق من الباطل.
{بِالْحِكْمَةِ}: الحكمة: معرفة الحق والعمل به، وتشمل النبوة والإنجيل وتنزيل الأحكام منازلها.
{بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ}: البعضية تفيد بيان ما وقع فيه التنازع الديني والتشريعي الذي يحتاج إلى حسم، أو قيل: البعض يطلق ويراد به الكل في لسان العرب كقول لبيد: (أو يرتجى بعض الذي هو كائن).
{وَلِأُبَيِّنَ}: الواو عاطفة على علة محذوفة (أي: جئتكم بالحكمة لأعلمكم ولأبين)، اللام للتعليل، أبين: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره أنا.
{لَكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بالفعل (أبين).
{بَعْضَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه.
{تَخْتَلِفُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{فِيهِ}: جار ومجرور متعلقان بالفعل (تختلفون).
{فَاتَّقُوا}: الفاء الفصيحة، اتقوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَأَطِيعُونِ}: الواو عاطفة، أطيعوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
العودة إلى تفصيل دعوة المسيح: بعد الإجمال في الآيات السابقة وبيان أنه مثل لبني إسرائيل وعلم للساعة، فصل هنا نص كلماته وندائه الإصلاحي لقومه، مبيناً أنه لم يأتِ قط ليدعي الألوهية لنفسه، بل جاء بالحكمة ليوحدهم على تقوى الله وطاعة أمره.
التدرج الدعوي الحكيم: بدأ بذكر البينات، ثم بيان الرسالة المتضمنة للحكمة وتصحيح الاختلاف، ورتب على ذلك الأمر بالتقوى والطاعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان دعوى دعوة المسيح إلى تأليه نفسه:
الآية حجة دامغة على النصارى؛ فعيسى عليه السلام جعل غاية مجيئه أمرين: تعليم الحكمة، وتبيين ما اختلفوا فيه من الشريعة، ثم ختمها بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}؛ فلو كان إلهاً أو شريكاً لأمرهم بعبادة ذاته، لكنه أمرهم بعبادة الله وحده وطاعته هو في التبليغ والرسالة.
حكمة التعبير بـ {بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ}: لم يقل كل ما تختلفون فيه؛ لأن بعض اختلافاتهم كانت في أمور الدنيا وسفاسف الأمور التي لا طائل تحتها، وإنما بُعث الأنبياء لبيان أصول الدين والتشريعات الكبرى التي ينبني عليها صلاح المعاد والعباد.
اقتران {الْبَيِّنَاتِ} بـ {الْحِكْمَةِ}: البينات معجزات خارقة للعيان تقيم الحجة، والحكمة معرفة بالبصائر والقلوب؛ فجمع لهم بين الدليل الخارجي المقنع والبصيرة الداخلية الهادية.
الفاء الرابطة في {فَاتَّقُوا}: تفيد ترتيب الأمر بالتقوى على إقامة الحجة وظهور البرهان؛ فالمكلف إذا استبانت له الحكمة وبطل الاختلاف وجب عليه فوراً تقوى الله ومجانبة الهوى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شأن المصلحين جمع الكلمة وحسم النزاع بالحكمة: وظيفة العالم والداعية والمصلح نزع فتيل الاختلاف بالرجوع إلى محكمات الوحي والشرع بالحكمة والموعظة الحسنة.
التلازم بين تقوى الله وطاعة الرسل: لا تتحقق تقوى الله في القلوب إلا عبر بوابة طاعة رسله الكرام واتباع سنتهم.