بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 629)جامع البيانالطبري٢١/٦٢٩ أن معنى الآية: وإن هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد لمثبت محفوظ في أصل الكتب ومنبعها وهو (اللوح المحفوظ) عندنا، {لَعَلِيٌّ}: ذو علو ورفعة وشرف ومكانة سامية، {حَكِيمٌ}: محكم لا خلل فيه ولا باطل ولا تناقض، قد أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 221)مصدر غير محدد٧/٢٢١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن {أُمِّ الْكِتَابِ} هو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير الخلائق وأصول التنزيل قبل أن يخلق السموات والأرض.
وذكر السعدي في (تفسيره، ص 762)مصدر غير محدد٧٦٢ أن في هذا إشعاراً بشرف القرآن في الملأ الأعلى عند الله؛ فهو رفيع القدر محكم المعاني والأحكام، فحق لمن اتصل به أن يعلو قدره ويحكم أمره.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أُمِّ الْكِتَابِ}: الأم في كلام العرب: الأصل والمرجع الذي يتبعه غيره، وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ الذي يرجع إليه سائر الكتب والصحف السماوية.
{لَدَيْنَا}: عندنا، ظرف مكان يفيد القرب المعنوي والشرف والتعظيم.
{عَلِيٌّ}: ذو علو وشرف ورفعة مكانة.
{حَكِيمٌ}: ذو حكمة بالغة، أو محكم مبعد عن التناقض والخطأ.
الإعراب:
{وَإِنَّهُ}: الواو عاطفة أو حالية، {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها يعود على القرآن.
{فِي أُمِّ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أو بخبر إن، وهو مضاف.
{الْكِتَابِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{لَدَيْنَا}: ظرف مكان مبني على السكون متعلق بمحذوف حال أو بالخبر، و(نا) مضاف إليه.
{لَعَلِيٌّ}: اللام المزحلقة للتوكيد، {عَلِيٌّ}: خبر إن مرفوع بالضمة.
{حَكِيمٌ}: خبر ثانٍ لإن مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجمع بين صفتي التنزيل الأرضي والثبوت السماوي:
في الآية السابقة بيّن تنزيله الأرضي العربي للبشر: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.
وفي هذه الآية بيّن ثبوته العلوي الأزلي المصون في اللوح المحفوظ: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}.
وهذا التقابل يبرز كمال المنزلة وعصمة الكتاب من أي تحريف أو تبديل.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهات المستشرقين في أسبقية التدوين وتأثر القرآن بالبيئة: يزعم الطاعنون أن القرآن نتاج بيئته الجغرافية وثقافته المعاصرة، والآية تقرر أصلاً عقدياً قاطعاً بأن أصل القرآن مثبت في (أم الكتاب) في اللوح المحفوظ قبل خلق الأكوان، وأن نزوله في الزمان والمكان كان تقديراً إلهياً حكيماً لهداية البشر، وليس انعكاساً للبيئة أو وليد ثقافة محلية.
إحكام نصوص الوحي: وصفه بـ {حَكِيمٌ} ينفي أي عوج أو تناقض داخلي؛ فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
الاستعارة في إطلاق {أُمِّ} على اللوح المحفوظ: تشبيه الأصل الجامع للأقدار بالوالدة التي ترعى وتجمع أصل النسل.
تأكيد الجملة الاسمية بـ {إِنَّ} واللام المزحلقة: لتقرير العلو والحكمة بصفة قطعية لا تقبل الشك.
الإشارة التدبرية: من اعتصم بهذا القرآن العلي الحكيم علت همته وارتفعت مكانته وأحكمت تصرفاته في الدنيا والآخرة؛ فهو كتاب يرفع الله به أقواماً ويضع به آخرين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار قدسية القرآن العظيم ومكانته في الملأ الأعلى؛ مما يورث تعظيمه والخشوع عند تلاوته.
الثقة التامة بحكمة أحكام القرآن وتشريعاته، واليقين بأنها الصالحة المصلحة لكل زمان ومكان.
التماس الرفعة والعزة بالقرآن الكريم؛ فما من أمة تمسكت به إلا سادت وقادت.