بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 641)جامع البيانالطبري٢١/٦٤١ أن الله تعالى يعلّم عباده الغاية من تسخير المراكب والأنعام، ويرشدهم إلى الأدب الشرعي الرفيع عند ركوبها: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ}؛ أي لتستقروا وتثبتوا على ظهور ما تركبون من الدواب والفلك والمراكب، {ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ} بقلوبكم وألسنتكم معترفين بفضله وإحسانه، {إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ}، {وَتَقُولُوا} تعظيماً لله وتنزيهاً: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا}؛ أي ذلل لنا هذا المركب العظيم وأخضعه لسلطاننا، {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}؛ أي ما كنا له بمطيقين ولا ضابطين ولا قادرين على قهره وتذليله لولا تسخير الله وفضله.
وروى الإمام مسلم في (صحيحه، رقم 1342)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٤٢ عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر، كبّر ثلاثاً ثم قال: "سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوّن علينا سفرنا هذا واطوِ عنا بعده...".
ونقل ابن كثير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أُتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: "بسم الله"، فلما استوى على ظهرها قال: "الحمد لله: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ}"، ثم كبّر وحمد، ثم استغفر وضحك، وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل ذلك (أخرجه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لِتَسْتَوُوا}: الاستواء: الاستقرار والتمكن والاعتدال على الشيء، ومنه استوت السفينة على الجودي.
{سَخَّرَ}: التسخير: التذليل والتسيير والقهر للشيء حتى ينقاد طوعاً.
{مُقْرِنِينَ}: أقرن للشيء إذا أطاقه وقوي عليه وضبطه؛ مأخوذ من القِرْن وهو المماثل والمقاوم في القوة والشجاعة؛ فمعنى مقرنين: مطيقين قاهرين.
الإعراب:
{لِتَسْتَوُوا}: اللام لام التعليل، {تَسْتَوُوا}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والمصدر المؤول متعلق بجعل.
{عَلَى ظُهُورِهِ}: جار ومجرور متعلقان بتستووا، والهاء مضاف إليه (أعاد الضمير مفرداً مراعاة للفظ ما، أو على المذكور).
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي الرتبي والتفاوت بين الاستقرار الحسي والذكر المعنوي.
استحضار القلب والاعتراف الباطن بالمنة: {ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ}.
النطق باللسان بالتسبيح والتنزيه والتبرؤ من الحول والقوة: {وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}.
وهذا يرسم المنظومة الإسلامية المتكاملة في تحويل العادات المادية اليومية إلى عبادات روحية متصلة بالله.
سر العطف بـ {ثُمَّ}: للدلالة على التراخي الرتبي؛ فذكر النعمة والتسبيح أعظم رتبة وأعلى شأناً من مجرد الركوب والاستواء الجسدي.
تذكير الإنسان بضعفه الذاتي: قوله: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} يكسر كبرياء الراكب وخيلاءه؛ فلا يغتر بقوته ولا يزهو بسيارته أو مركبته الفارهة، بل يعلم أنه لولا فضل الله لما استطاع ضبطها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عموم الدلالة لوسائل النقل والتقنيات الحديثة: قد يظن البعض أن هذا الدعاء خاص بركوب الدواب والجمال، والتحقيق الأصولي القطعي: أن الآية نصت على الفلك والأنعام وما تركبون، فيدخل في ذلك ركوب السيارات، والقطارات، والطائرات، وسفن الفضاء؛ فكلها مراكب سخرها الله بتمكين العقل البشري من اكتشاف القوانين الفيزيائية وتطويع الحديد والطاقة، فإذا ركب الإنسان أحدث طائرة فإنه عاجز بذاته عن تسييرها في طبقات الجو لولا تسخير الله لقوانين الطفو والضغط وحفظ التوازن.
محاربة الغرور التقني: الآية تقدم ترياقاً إيمانياً يحمي الإنسان المعاصر من داء الاستعلاء والتأليه الذاتي للتقنية؛ فالتقدم التكنولوجي منحة إلهية تقتضي الشكر والتسبيح، لا التكبر والبطر.
استخدام المصدر الميمي المؤكد في {سُبْحَانَ}: إيذان بالتنزيه المطلق لله عن العجز والشرك والنقص.
التعبير بـ {مُقْرِنِينَ}: استعارة مأخوذة من مقارنة الأقران في حلبة الصراع؛ لتصوير ضخامة المركوبات وضعف قوة الإنسان الذاتية إزاءها.
الإشارة التدبرية: الركوب والاستواء في الدنيا يذكر بالرحيل الأكبر والاستواء على نعوش المنايا؛ فالمركوب ينقلك في الدنيا، والعمل الصالح ينقلك إلى جنات الخلد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):