بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 648)جامع البيانالطبري٢١/٦٤٨ أن معنى الآية: وإذا أخبر أحدهم وجاءته البشارة بولادة أنثى -وهو الجنس الذي جعلوه مثلاً وشبهاً للرحمن ونسبوه إليه ولداً- تغير وجهه وامتلأ كآبة وغيظاً حتى صار مسوداً من سوء ما بشر به، وهو كظيم؛ أي ممتلئ غيظاً وغماً وحزناً يكظمه في صدره ولا ينطق به لفرط كراهيته للبنات وخوفه من العار.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 227)مصدر غير محدد٧/٢٢٧ أن هذه الآية تكشف النقاب عن نفاقهم النفسي وبشاعة معتقدهم: كيف يرضون لله تعالى ما لا يرضونه لأنفسهم بل يأنفون منه غاية الأنفة ويسوّد وجوههم ذكره؟!
وطابق القرطبي بين هذه الآية وبين آية سورة النحل: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ}؛ لبيان شدة عداوتهم للأنثى ورسوخ هذه العقيدة الفاسدة في الجاهلية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَثَلًا}: شبهاً ونظيراً ووصَفاً؛ والمراد به هنا ولادة البنات.
{مُسْوَدًّا}: كناية عن شدة الغيظ والغم والكآبة التي تعلو ملامحه وتغير لونه.
{كَظِيمٌ}: الكظيم: الممتلئ غيظاً وحزناً، الممسك على غيظه لا يخرجه؛ مأخوذ من كظم السقاء إذا شده بعد ملئه.
الإعراب:
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، {إِذَا}: ظرف زمان شرطي غير جازم.
{بِمَا}: الباء حرف جر، {مَا}: اسم موصول في محل جر متعلق ببشر.
{ضَرَبَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو، وجملة الصلة لا محل لها.
{لِلرَّحْمَنِ}: جار ومجرور متعلقان بضرب.
{مَثَلًا}: مفعول به ثانٍ لضرب (أو حال).
{ظَلَّ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح، جواب إذا لا محل له من الإعراب.
{وَجْهُهُ}: اسم ظل مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه.
{مُسْوَدًّا}: خبر ظل منصوب بالفتحة.
{وَهُوَ}: الواو حالية، {هُوَ}: ضمير منفصل مبتدأ.
{كَظِيمٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير في وجهه أو أحدهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف التناقض بالصورة المشهدية الحية: لم يكتفِ بإثبات تناقضهم النظري، بل رسم صورة حسية نفسية لملامح وجوههم وانفعالاتهم حين يواجهون بواقع ما نسبوه إلى الله.
التعبير بالبشارة {بُشِّرَ}: تهكم بليغ؛ لأن البشارة في الأصل تكون بالخير والسرور، لكنها عندهم صارت نذارة تسوّد الوجوه.
إبراز اسم {الرَّحْمَنِ}: لإظهار قبح صنيعهم مع الرب العظيم واسع الرحمة والفضل؛ يقابلون رحمته بجعل أردأ الأنصبة مثلاً له!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك عقدة وأد البنات واحتقار المرأة في الجاهلية: الآية تعري الجريمة الجاهلية في احتقار الإناث ووأدهن، وتبين أن الإسلام جاء ليرفع عن المرأة هذا الظلم التاريخي ويجعل ولادتها بشارة حقيقية ورحمة وستراً من النار لمن أحسن إليها.
المحاكمة المنطقية الصارمة: إذا كان المشرك يستنكف ويستحي أن يُنسب إليه ولد أنثى حتى يسودّ وجهه وتظلم دنياه، فكيف يجعل تلك الصفة التي يخجل منها لله العلي العظيم؟ فهذا غاية الجهل والوقاحة مع الخالق.