بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 637)جامع البيانالطبري٢١/٦٣٧ أن هذا متصل بوصف العزيز العليم وآلائه التي أنعم بها على عباده؛ فهو الذي مهد لكم الأرض وجعلها فراشاً وقراراً مذللاً تستقرون عليه وتنامون وتتقلبون في أرجائه كما ينام الصبي في مهده المريح، وشق لكم في جبالها وأوديتها وفيافيها طرقاً ومسالك ومنافذ تسيرون فيها؛ لعلكم تهتدون في أسفاركم إلى مقاصدكم ومنافعكم، وتهتدون بعقولكم إلى توحيد صانعها ومدبرها.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 223)مصدر غير محدد٧/٢٢٣ قراءة الكوفيين وابن كثير (مَهْدًا)، وقراءة الباقين (مِهَادًا)؛ أي ممهدة مستقرة، كقوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا}.
وأشار ابن عاشور إلى أن الهداية في قوله: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} تشمل الهداية الحسية في سلوك الفجاج والطرق في الأرض، والهداية المعنوية بالاعتبار والتفكر في حكمة الخالق الوهاب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَهْدًا}: المهد: الفراش الممهد والوطاء اللين الذي يهيأ للصبي لينام عليه ويسكن فيه.
{سُبُلًا}: جمع سبيل؛ وهو الطريق والمسلك الواسع السهل.
الإعراب:
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل رفع نعت ثانٍ للعزيز، أو بدل منه، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو الذي).
{جَعَلَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، وجملة الصلة لا محل لها.
{لَكُمُ}: جار ومجرور متعلقان بجعل أو بمحذوف حال.
{الْأَرْضَ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة.
{مَهْدًا}: مفعول به ثانٍ لجعل منصوب بالفتحة (أو حال).
{وَجَعَلَ}: الواو عاطفة، فعل ماض معطوف.
{لَكُمْ}: جار ومجرور.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلقان بجعل أو بسبلاً.
{سُبُلًا}: مفعول به ثانٍ لجعل (والمفعول الأول محذوف أو العكس).
{لَعَلَّكُمْ}: لعل واسمها.
{تَهْتَدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة خبر لعل، وجملة (لعلكم تهتدون) تعليلية لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل دلائل الربوبية بعد الإقرار الإجمالي: بعد أن أقروا بخلق السموات والأرض، شرع في تعداد الآيات الأرضية المباشرة التي تلامس معايشهم وحاجاتهم اليومية؛ لتتطابق الأدلة العقلية مع المشاهدات الحسية.
التعبير بـ {مَهْدًا}: صورة تشبيهية فائقة الرقة واللطف؛ فالأرض بكل ما عليها من أثقال وبراكين مهدها الله وجعلها ساكنة لينة ملائمة للحياة البشرية كالمهد الرؤوم.
عطف جعل السبل على تمهيد الأرض: لأن الأرض الممهدة لا تكتمل منفعتها للبشر إلا بوجود شبكة طرق ومنافذ طبيعية بين السلاسل الجبلية والبحار لتسهيل الحركة والتجارة والتواصل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة التوازن الجيولوجي وثبات الأرض: من أعظم البراهين العقلية على التدبير الإلهي الحكيم هو مناسبة الغلاف الصخري وجاذبية الأرض وطبقات التربة لحياة الإنسان؛ فلو كانت الأرض صلبة كالصوان لما أمكن حفرها والزراعة فيها، ولو كانت رخوة كالرمال السيالة لما ثبت عليها بناء، ولو تحركت واضطربت لهلكت الخلائق؛ فجعلها (مهداً) دليل تدبير غائي متقن يبطل العشوائية والصدفة العمياء.
الهداية في السبل المادية والمعنوية: السبل الجغرافية تمثل آية حسية تقود العقل إلى استنتاج ضرورة وجود سبل معنوية (شرائع ورسالات) تهدي القلوب التائهة في ظلمات الحياة؛ فالذي دل الأبدان على مسالك الأرض لا يترك الأرواح تائهة بلا وحي.
التشبيه البليغ: جعل الأرض مهداً؛ أي كالمهد في اللين والراحة والسكينة والرعاية.
الجناس الاشتقاقي والمطابقة بين {مَهْدًا} و{تَهْتَدُونَ}: تناسب لفظي ومعنوي يضفي على الآية بهاء وانسجاماً صوتياً.
الإشارة التدبرية: استشعار رعاية الرب الرحيم؛ فالأرض التي نخطو عليها وننام على ظهرها إنما هي سرير رحمة بسطه الله لنا، فحق لمن يعيش في مهد الله أن يعمر وقته بطاعته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار نعم الله المألوفة التي قد يغفل عنها الإنسان لفرط تكرارها وألفتها (استقرار الأرض، وسهولة السير في الطرقات).
السير في الأرض بنية الاعتبار والتفكر في آيات الله المودعة في تضاريسها ومعالمها.
التماس الهداية إلى الصراط المستقيم من هادي القلوب وميسر السبل.