بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 683)جامع البيانالطبري٢١/٦٨٣ أن هذا خطاب إلهي صاعق يقال لهؤلاء المعرضين وقرنائهم حين يتحسرون ويتلاومون في جهنم: ولن ينفعكم اليوم أيها الظالمون شيئاً، ولن يخفف عنكم ذرة من العذاب، اشتراككم مع قرنائكم وشياطينكم في نار جهنم؛ فإن المصائب والمصاعب في الدنيا إذا عمت خف وقعها على النفوس ووجد المصاب نوع سلوة وعزاء في مشاركة نظرائه له في المصيبة، أما في عذاب جهنم فلا تأسٍّ ولا تسلية ولا تخفيف بالمشاركة، بل لكل واحد منكم العذاب الأليم والعقاب المضاعف الذي لا يطاق.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 237)مصدر غير محدد٧/٢٣٧ عن قتادة ومجاهد أن قوله: {إِذْ ظَلَمْتُمْ}؛ أي بسبب ظلمكم وإشراككم في الدنيا، فلن تنفعكم مشاركة الشيطان في النار؛ لأن كلاً منكم قد أوفى حظه من العذاب المضاعف، كما قال تعالى: {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ}.
وأوضح ابن عاشور أن الآية تقطع آخر حبل من حبال التخفيف النفسي؛ فالعذاب في جهنم عذاب جسدي بالحريق، وعذاب نفسي بالانقطاع التام عن أي سلوى أو مشاركة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ}: لن حرف نفي وتأكيد ونصب واستقبال يقطع الرجاء بالكلية.
{إِذْ ظَلَمْتُمْ}: إذ تعليلية؛ أي: لأجل ظلمكم في الدنيا.
الإعراب:
{وَلَنْ}: الواو استئنافية، {لَنْ}: حرف نفي ونصب واستقبال.
{يَنْفَعَكُمُ}: فعل مضارع منصوب بـ لن بالفتحة، والكاف ضمير متصل مفعول به مقدم، والميم للجمع.
{الْيَوْمَ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بينفعكم.
{إِذْ}: ظرف زمان لما مضى مبني على السكون في محل نصب بدل من اليوم، أو حرف تعليل؛ أي: بسبب ظلمكم.
{ظَلَمْتُمْ}: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل، والجملة مضاف إليها إذ (أو صلة التعليل).
{أَنَّكُمْ}: {أَنَّ}: حرف توكيد ونصب، والكاف اسمها، والميم للجمع.
{فِي الْعَذَابِ}: جار ومجرور متعلقان بمشتركون.
{مُشْتَرِكُونَ}: خبر أن مرفوع بالواو، والمصدر المؤول من (أن واسمها وخبرها) في محل رفع فاعل مؤخر لينفعكم؛ أي: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحباط التسلية النفسية وقطع المعاذير: بعد أن صور تمنيه مفاصلة قرينه في الآية السابقة، أجابهم الله ببيان أن تلاومهم ومشاركتهم في النار لا يغير من واقع العذاب شيئاً ولا يسري عنهم.
تصدير الآية بـ {وَلَنْ}: النفي بلن المؤبدة في مقام الآخرة يقطع كل بارقة أمل أو رجاء في تخفيف العقوبة.
التعليل بـ {إِذْ ظَلَمْتُمْ}: لبيان عدالة الحكم الإلهي؛ فالعذاب نزل بهم بسب ظلمهم واختيارهم للكفر في الدنيا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد سلوة المصاب بالمشاركة: في الدنيا إذا نزلت كارثة جماعية (كزلزال أو وباء أو هزيمة) يجد المصابون نوعاً من السلوة والتعزية النفسية في اشتراك الجميع في المصاب (كما قالت الخنساء: "ولولا كثرة الباكين حولي * على إخوانهم لقتلت نفسي")، ولكن القرآن يقرر أن عذاب الآخرة لا يقبل هذا القياس العقلي الدنيوي؛ لأن العذاب هناك محيط بكل فرد إحاطة تجعله ذاهلاً عن غيره، متجرعاً غصص الألم وحده، فلا تنفعه رؤية قرينه معذباً إلى جانبه.
استحقاق العقاب الفردي والجماعي: الشراكة في الجريمة توجب الشراكة في العقوبة دون أن ينقص ذلك من نصيب أي مجرم من العقاب المستحق.
تأكيد النفي بـ {لَنْ}: لقطع الأطماع وإفادة اليأس التام.
فاعل النفع المؤول: {أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} تصوير بديع يجعل الاشتراك في العذاب ذاته -الذي كان يظن أنه نافع مسلٍّ- غير ذي جدوى ولا نفع.
الإشارة التدبرية: عذاب الآخرة وحشة مطلقة؛ لا صاحب يؤنس، ولا شريك يخفف، ولا شفاعة تنقذ؛ فالعاقل من فرّ اليوم إلى رحمة ربه ليجد الأنس الحقيقي في روضات الجنات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الشديد من مظالم العباد والظلم الأكبر وهو الشرك بالله.
عدم الاغترار بكثرة السالكين لطريق الغواية؛ فإن اجتماع أهل الباطل في النار لن يخفف عن أحد منهم شيئاً.
المبادرة إلى التوبة وفك الشراكات المحرمة في الدنيا قبل أن تنقلب إلى قيود وسلاسل في الآخرة.