روى الطبري في جامع البيان (٢١/ ٦٧٣-٦٧٧)مصدر غير محدد٢١/٦٧٣ وابن كثير (٧/ ٢٥٠-٢٥١)مصدر غير محدد٧/٢٥٠ والقرطبي (١٦/ ١١٩-١٢٢)مصدر غير محدد١٦/١١٩ عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: هذا القول جاء على سبيل الفرض الجدلي والتنزل في المناظرة لإفحام الخصم وإلجامه بالحجة؛ والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين والنصارى الزاعمين أن لله ولداً: لو كان للرحمن ولد كما تزعمون افتراءً - على الفرض والتقدير المستحيل - لكنت أنا أول العابدين لله الممتثلين لأمره المعظمين لحقه وطاعته؛ لأني أسبقكم لمعرفة ما يحبه الله؛ ولكن هذا الأمر ممتنع عقلاً وشرعاً وفطرة، ومستحيل في حق الله جل وعلا؛ فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فبطل زعمكم وسقطت فريتكم.
وقال بعض المفسرين (ابن عباس في رواية): {إِنْ} نافية بمعنى ما؛ أي: ما كان للرحمن ولد فإنا أول العابدين الموحدين له المنزهين له عن الولد والشريك. والقول الأول أبلغ في المناظرة وقواعد الجدل العقدي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
{إِنْ}: حرف شرط جازم خرج مخرج الفرض والتقدير الجدلي لبيان استحالة المشروط، أو حرف نفي بمعنى (ما).
{الْعَابِدِينَ}: من العبادة، وهي كمال الطاعة والامتثال، أو من العَبَد (بفتحتين) وهو الآنف المستنكف المستكبر عن الشيء؛ أي فأنا أول الآنفين المستنكفين من دعوى الولد.
الإعراب الدقيق:
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{إِنْ}: حرف شرط جازم مبني على السكون.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص ناسخ في محل جزم فعل الشرط.
{لِلرَّحْمَٰنِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان مقدم.
{وَلَدٌ}: اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{فَأَنَا}: الفاء واقعة في جواب الشرط، أنا: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{أَوَّلُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{الْعَابِدِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج المحاجة العقلية بأرقى أساليب المناظرة: بعد أن بين الله تبارك وتعالى كيدهم وإبرامهم وسماعه لسرهم ونجواهم، وجه نبيه صلى الله عليه وسلم إلى استخدام هذا الأسلوب القرآني العجيب في التنزل الجدلي؛ لبيان أن رفضنا لفرية الولد ليس عناداً ولا عصبية مسبقة، بل لأن البرهان العقلي والنقلي يقطع باستحالة ذلك.
التمهيد للتسبيح والتنزيه في الآية التالية: هذا الفرض المحال مهد لصرخة التنزيه الكبرى التي تلته مباشرة: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة التنزل الجدلي لإفحام الخصم:
الشبهة: كيف يقول النبي صلى الله عليه وسلم {إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ}، وهل يمكن أن يكون لله ولد؟
المحاكمة والرد: هذا أسلوب معروف في لسان العرب ومناهج المناظرة يسمى (التعليق على المحال لبيان امتناع أصله)؛ كقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ}؛ فهو لم يقل ذلك شكاً، بل إشعاراً للخصم بأن الداعي لا يملك حكماً مسبقاً جائراً، بل هو مستعد لاتباع الحق أينما كان؛ فلما ثبت امتناع الولد عقلاً ونقلاً ثبت أنه لا إله إلا الله وحده.
بلاغة التنزل والإنصاف: تجريد النفس من كل هوى؛ فالرسول يعلن أنه عبد خاضع للحق، فلو كان هناك أمر واجب لكان أسبق الناس إليه.
ذكر اسم {الرَّحْمَٰنِ}: لما في هذا الاسم من كمال الرحمة والغنى والإحاطة؛ فالرحمن برحمته وغناه الواسع مستغنٍ عن اتخاذ الولد، والولد إنما يطلبه الضعيف المحتاج.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أدب الحوار والمناظرة لدى الدعاة: الداعية الصادق يظهر للخصم استعداده لقبول البرهان الصحيح، ويبتعد عن التشنج والخصومة العصبية، ليجذب قلوب المنصفين إلى الحق.
الثبات الراسخ على التوحيد: اليقين بأن عقيدة التوحيد هي العقيدة الفطرية الوحيدة المتسقة مع العقل السليم والنقل الصادق.