بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 635)جامع البيانالطبري٢١/٦٣٥ أن معنى الآية: فأهلكنا ودمرنا أمماً من المكذبين الأولين كانوا أشد قوة وعنفواناً وأعظم بطشاً وسطوة من مشركي قريش (كقوم عاد وثمود وقوم فرعون)، ومضت سنتنا وعقوبتنا فيهم عبرة ومثلاً وموعظة للغابرين ليحذر المتأخرون من سلوك سبيلهم.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 222)مصدر غير محدد٧/٢٢٢ عن قتادة ومجاهد أن قوله: {وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ}؛ أي: سلف عقوبتهم وسنتهم في الهلاك فصارت عبرة ومثلاً يُضرب لمن بعدهم، كما قال تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ}.
وذكر القرطبي أن في الآية تحذيراً شديد اللهجة لكفار مكة: إن كنتم تظنون أنكم بمنأى عن العقوبة لشوكتكم، فقد أهلك الله من هم أشد منكم قوة وأكثر جمعاً، فما أغنى عنهم بطشهم من الله شيئاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَضَى}: الواو عاطفة أو حالية، فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر.
{مَثَلُ}: فاعل مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{الْأَوَّلِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة التعقيب بالفاء {فَأَهْلَكْنَا}: تدل على أن الهلاك نتيجة حتمية سريعة للاستهزاء والتكذيب؛ فإذا تمحض العناد جاء الانتقام الرباني بلا إبطاء.
المقارنة بالقوة المادية: مهد بهذه المقارنة لرد غرور المشركين بقوتهم وزخرفهم؛ فالأولون كانوا أشد بطشاً وأعظم عمارة للأرض فما عجزوا الله وما اعتصموا من بأسه.
التعبير بـ {مَضَى مَثَلُ}: تصوير حركة التاريخ؛ زالت حضارات الطغيان وبقيت قصصهم أمثالاً وعظات تتلى في المحاريب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد وهم التفوق العسكري والمادي: يقيس الطغاة في كل عصر موازين البقاء بالقوة العسكرية والاقتصادية والبطش، والرد التاريخي والعقلي الصارم: أن عاداً قالت: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}، فأبادهم الله بريح صرصر، وثمود جابوا الصخر بالواد فأخذتهم الرجفة، وفرعون استكبر بجنوده فأغرقه الله في اليم؛ فالقوة المادية لا قيمة لها أمام قدرة خالق الكون ومصرف السنن.
التذكير بالسنن التاريخية المطردة: الآية تؤصل حتمية سقوط المستكبرين وعلو الحق؛ فسنة الله في إهلاك البغاة قانون مطرد لا يتخلف.