بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 663)جامع البيانالطبري٢١/٦٦٣ أن هذا استثناء متصل أو منقطع؛ أي: إلا الذي خلقني وابتدأ إيجادي وأنعم عليّ بالحياة على غير مثال سابق وهو الله ربي وحده، فإنه هو الذي سيهديني ويثبتني على طريق الحق والرشاد في الدنيا، ويوصلني إلى رضوانه وجناته في الآخرة.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 231)مصدر غير محدد٧/٢٣١ أن إبراهيم عليه السلام جمع في هاتين الآيتين حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله؛ فالنفي في قوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} يقابل (لا إله)، والإثبات في قوله: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} يقابل (إلا الله)، وهو أصل التوحيد الذي قامت به السموات والأرض.
وذكر السعدي في (تفسيره، ص 764)مصدر غير محدد٧٦٤ أن تعليل التوحيد بصفة الفطر {فَطَرَنِي} دليل عقلي قاطع؛ فالذي تفرد بالخلق والإيجاد هو الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، والاعتماد عليه في تحصيل الهداية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَطَرَنِي}: الفطر: الابتداء والإنشاء والشق؛ فطر الشيء إذا ابتدأ خلقه وإبرازه من العدم إلى الوجود.
{سَيَهْدِينِ}: السين لتأكيد الوقوع والاستقبال، والنون للوقاية، وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً ورسمت في المصحف الشريف (سَيَهْدِينِ) بالكسر وصلاً ووقفاً.
الإعراب:
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء (أو في محل رفع بدل من فاعل تعبدون على الاستثناء المنقطع إن كانت أصنامهم لا يعبد فيها الله).
{فَطَرَنِي}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والنون للوقاية، والياء ضمير متصل مفعول به، وجملة الصلة لا محل لها.
{فَإِنَّهُ}: الفاء للتعليل، {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها.
{سَيَهْدِينِ}: السين للاستقبال والتوكيد، {يَهْدِي}: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة، والفاعل مستتر تقديره هو، والنون للوقاية، والياء المحذوفة رسماً للتخفيف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وجملة (سيهدين) خبر إن، وجملة إن واسمها وخبرها تعليلية لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الصياغة البديعة لأصل التوحيد: تجسيد كامل لأركان النفي والإثبات في نسق بياني متفرد يجمع بين البراءة من الأنداد وإفراد الخالق بالعبادة.
الجمع بين الخلق والهداية: الاستدلال بالخلق الأول {فَطَرَنِي} على حسن الظن بالهداية التامة {سَيَهْدِينِ}؛ لأن الذي رعى البدن وأوجده لا يترك الروح دون هداية ونور.
التعبير بالسين {سَيَهْدِينِ}: لإفادة الثقة واليقين التام برعاية الله وحفظه وثبات الهداية واستمرارها في مستقبل العمر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الربط المنطقي الحاسم بين الإيجاد والاستحقاق التعبدي: يبرهن إبراهيم عليه السلام أن المعبود الحق لا بد أن يكون هو الخالق الموجد؛ فالأصنام لم تفطر أحداً، والملائكة مخلوقة، والكون كله مفتقر، فتعين عقلاً أن العبادة الحقة لا تصرف إلا لمن انفرد بالفطر والابتداء.
الثقة المطلقة في توفيق الله: إبراهيم واجه قومه وأباه والنار الموقدة بقلب مفعم باليقين: {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}، وهو عين ما قاله كليم الله موسى: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}، وما قاله خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم في الغار: {مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا}.