التوجيه بالمأثور: روى الطبري (٢١/ ٦٦٥-٦٦٦)مصدر غير محدد٢١/٦٦٥ وابن كثير (٧/ ٢٤٧)مصدر غير محدد٧/٢٤٧ والقرطبي (١٦/ ١١٧)مصدر غير محدد١٦/١١٧: لا يُخفف عن المجرمين شيء من هذا العذاب ساعة واحدة ولا طرفة عين، ولا ينقطع عنهم ألمه، وهم في ذلك العذاب {مُبْلِسُونَ} أي: يائسون من كل رحمة وخير، ساكتون سكوت الإياس والندامة بعد انقطاع الحجج والأعذار والمعاذير.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
{يُفَتَّرُ}: التفتير: التسكين والتخفيف بعد الشدة، من الفتور وهو انكسار الحدة وضعف القوة.
{مُبْلِسُونَ}: الإبلاس: اليأس والحيرة وانقطاع الرجاء والسكوت من شدة الغم والحسرة؛ ومنه اشتق اسم إبليس لأنه أبلس من رحمة ربه.
الإعراب الدقيق:
{لَا}: نافية مهملة مبنية على السكون.
{يُفَتَّرُ}: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله (مبني للمجهول) مرفوع بالضمة الظاهرة، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على العذاب.
{عَنْهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بالفعل (يفتر).
{وَهُمْ}: الواو حالية، هم: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{فِيهِ}: جار ومجرور متعلقان بالخبر (مبلسون).
{مُبْلِسُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير في {عَنْهُمْ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نفي فترات الاستراحة وتأبيد الكرب: بعد أن أثبت خلودهم في العذاب في الآية السابقة، بين في هذه الآية صفة هذا الخلود؛ فهو خلود متصل بلا هدنة ولا تخفيف، مقترن بانهيار نفسي تام وهو اليأس والإبلاس.
تعانق العذاب الجسدي والنفسي: جمعت الآية بين شدة الألم الحسي المستمر {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} وبين أقصى درجات الألم النفسي والروحي {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحطيم أماني التخفيف والانقطاع:
دحض شبهات المرجئة ومنكري دوام العذاب: القرآن يقطع بلسان عربي مبين أن عذاب الكفار مستمر لا يتخلله فتور ولا تخفيف، ولا مجال لتعليل الفناء أو خروج المشركين؛ فالانقطاع ينقضه قوله: {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ}، والرجاء ينقضه قوله: {مُبْلِسُونَ}.
ألم اليأس أعظم من ألم الجراح: الإنسان في الدنيا قد يتحمل الألم الشديد إذا كان يرجو زواله وبرءه، فإذا انقطع الأمل وأيقن باستمرار العذاب تفطر قلبه كمداً وحسرة.
بناء الفعل للمجهول {لَا يُفَتَّرُ}: للدلالة على أن أدوات العذاب وملائكته مسخرون لإيقاع الألم الدائم بغير تراخٍ ولا انقطاع.
الجملة الحالية الاسمية {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ}: لإفادة ثبوت حالة اليأس والوجوم عليهم وملازمتها لهم ملازمة الظل لأصله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العمل والرجاء في دار المهلة: الإنسان في هذه الحياة الدنيا يملك فرصة التوبة والرجوع وباب الرحمة مفتوح أمامه؛ فالعاقل لا يسوف حتى يفجأه الأجل فيدخل دار الإبلاس التي لا توبة فيها ولا استعتاب.
تجديد التوبة الدائمة والاستعاذة من خذلان اليأس: المؤمن يستعيذ بالله من القنوط في الدنيا، ومن الإبلاس والخزي في الآخرة.