بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 703)جامع البيانالطبري٢١/٧٠٣ أن معنى الآية: فلما أغضبونا وأسخطونا بتماديهم في العناد والتكذيب والاستخفاف بآياتنا ونكث عهودهم المتكررة، انتقمنا منهم وعاجلناهم بالعقوبة المستأصلة القاطعة؛ فأغرقنا فرعون وجنوده وملأه أجمعين في ماء بحر القلزم (البحر الأحمر)، ولم يُفلت منهم أحد.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 245)مصدر غير محدد٧/٢٤٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك أن {آسَفُونَا} معناها: أغضبونا وأسخطونا؛ يقال: أسف الرجل يأسف أسفاً إذا غضب، وآسف غيره إذا أغضبه وأحزنه، ونقل حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج"، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (أخرجه أحمد، رقم 17311)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٣١١.
وأوضح القرطبي أن غضب الله تعالى هو إرادته إيقاع العقوبة والعدل بالمعاندين، وانتقامه هو إنزال ما يستحقونه من البأس.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{آسَفُونَا}: الإيساف: الإغضاب والإسخاط الشديد المؤذن بالعقوبة، وأصله في اللغة من الأسف وهو الغضب المقترن بالحزن أو الغيظ الشديد.
{أَجْمَعِينَ}: توكيد معنوي للضمير المنصوب في أغرقناهم منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بلوغ الطغيان مداه وحلول القضاء المبرم: لما بلغت الجريمة ذروتها بالاستخفاف والفسق والنكث المتكرر، جاء التعبير بـ {فَلَمَّا آسَفُونَا} ليدل على انتهاء أجل الإمهال وحلول الانتقام العاجل.
التفسير والبيان بالفاء: عطف {فَأَغْرَقْنَاهُمْ} على {انْتَقَمْنَا} بالفاء لبيان أن الغرق هو صورة الانتقام الإلهي التي أهلكت كبرياءهم.
التوكيد الحاسم بـ {أَجْمَعِينَ}: لإفادة الإحاطة التامة والاستئصال المستأصل التام؛ لم يبقَ من جند فرعون عين تطرف، فكانت نهاية حاسمة لملك مصر وأنهارها وزخرفها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إثبات صفة الغضب لله تعالى على مذهب السلف وأهل السنة: أهل السنة والجماعة يثبتون صفة الغضب والأسف والرضا لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، بلا تمثيل ولا تكييف، ولا تعطيل ولا تحريف؛ فغضب الله صفة حقيقية تقتضي إيقاع العقوبة على الكافرين وانتقامه من المجرمين، ولا يشبه غضب المخلوقين الناشئ عن غليان دم القلب والعجز والاضطراب النفسي؛ فسبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
الجزاء من جنس العمل (المطابقة التاريخية المعجزة): افتخر فرعون بالأنهار {وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي}، فعوقب بالغرق بالماء؛ فأجرى الله الماء فوق هامته وخنق به أنفاسه وجعله عبرة للعالمين؛ ليعلم الجبابرة أن أسباب الفخر المادي قد تنقلب هي ذاتها إلى أسباب الدمار والهلاك.
الإسناد في {آسَفُونَا}: عظمة التعبير الرباني؛ بلغت جرأتهم أن أغضبوا رب السموات والأرض، ومن تعرض لغضب الجبار أهلكه.
التوكيد بـ {أَجْمَعِينَ}: دلالة قاطعة على أن الاستئصال كان عاماً مستوعباً للرأس والأتباع والمترفين دون استثناء.
الإشارة التدبرية: الحلم الإلهي واسع، وإمهال الله عظيم، ولكن إذا غضب الجبار فلا راد لبأسه؛ فليحذر العبد من التمادي في المعاصي لئلا يقع في موضع غضب الله فيحل به الانتقام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف والوجل الدائم من التعرض لسخط الله وغضبه، والمسارعة إلى التوبة والاستغفار.
يقين المؤمنين بحتمية غرق الطغاة وزوال عروشهم مهما طال ليل الظلم والاستكبار.
الاعتبار بسنن الله في الأمم الظالمة وتذكير الناس بمصارع الغابرين.