بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 678)جامع البيانالطبري٢١/٦٧٨ أن معنى الآية: ومن يتعامَ ويتغافل ويعرض عن القرآن الكريم ومواعظ الرحمن، فلا يتأمله ولا يتدبره ولا ينقاد لأوامره؛ بل يغمض عينيه عنه كالأعشى الذي في بصره آفة وضعف، نجعل له شيطاناً من المردة نقيضه ونسلطه عليه ونلصقه به، فيصير له رفيقاً ملازماً وقريناً لا يفارقه؛ يغويه ويزين له الباطل ويصده عن الهدى عقوبة له على إعراضه عن نور الوحي.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 236)مصدر غير محدد٧/٢٣٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن {يَعْشُ} مأخوذ من العَشا؛ وهو ضعف البصر أو التعامي والتغافل عمداً عن ذكر الله؛ فمن أعرض عن نور الرحمن عوقب بظلمة الشيطان، كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}، وقوله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ}.
وقرأ الجمهور (يَعْشُ) بضم الشين مجزوماً بحذف الواو من عَشا يَعْشُو؛ أي تعامى، وقرئ في الشواذ بفتح الشين (يَعْشَ) من عَشِيَ يَعْشَى إذا ضعف بصره خلقياً؛ والمراد بالآية التعامي العمدي الإرادي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَعْشُ}: العَشا في البصر: ضعف الرؤية ليلاً أو عمى العين عن تمييز الأشياء، واستعير هنا للعمى القلبي والتعامي والتغافل المتعمد عن أدلة القرآن.
{نُقَيِّضْ}: التقييض: التسليط والتهيئة والإلصاق والإحاطة؛ يقال: قيّض الله له كذا إذا سببه وألصقه به وجعله قريناً له كالقشرة للبيضة (ومنه قيض البيضة؛ وهو قشرها الأعلى).
{قَرِينٌ}: الملازم والرفيق الذي يقارن صاحبه ولا يفارقه ليلاً ولا نهاراً.
الإعراب:
{وَمَنْ}: الواو استئنافية، {مَنْ}: اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
{يَعْشُ}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة (الواو)، والفاعل مستتر تقديره هو.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف السبب الخفي في إصرار المعاندين: بعد أن بيّن زهدهم في القرآن واعتراضهم المادي على الرسول واغترارهم بزخرف الدنيا، كشف هنا عن المأساة النفسية والغيبية التي تقودهم؛ وهي وقوعهم تحت وصاية شيطانية ملازمة بعد إعراضهم عن القرآن.
إبراز اسم {الرَّحْمَنِ}: لإظهار فداحة الجرم؛ فهم لم يعرضوا عن جبار عنيد، بل أعرضوا عن ذكر الرب الرحمن الرحيم الذي أنزل القرآن رحمة وهداية لهم، فاستحقوا تسليط الشياطين.
سرعة الاقتران بالفاء {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}: تدل على أن الشيطان يلتحم به ويقترن به مباشرة بمجرد تعاميه عن الذكر، فلا ينفك عنه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة سنّة العقوبة الإلهية بالخذلان والتخلية: قد يشكل على البعض: كيف يقيض الله الشياطين للعباد؟ والرد العقلي الأصولي: أن الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكنه يعاقب من كفر بنعمته وأعرض عن ذكره عمداً بسلبه التوفيق وتخليته بينه وبين شياطين الإنس والجن جزاء وفاقاً؛ فمن رفض ولاية الرحمن سقط حتماً في أسر ولاية الشيطان، والجزاء من جنس العمل.
المفهوم الدقيق لمعنى (العَشا): الآية لم تقل (ومن يعمَ) بل قالت {وَمَنْ يَعْشُ}؛ لتدل على أن المعرض لم يفقد بصره بالكلية، بل تعامى وتغافل وأضعف بصيرته باختياره، مما يوجب مسؤوليته الكاملة عن ضلاله.