بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 625)جامع البيانالطبري٢١/٦٢٥ أن ختام السورة الكريمة جاء بياناً للصراط المستقيم المذكور في الآية السابقة: فهو صراط الله؛ أي دينه وشرعه ومنهاجه القويم الذي ارتضاه لعباده، وهو سبحانه المالك لكل ما في السموات وما في الأرض خلقاً وملكاً وتدبيراً، لا معقب لحكمه ولا منازع في سلطانه، {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}: تنبيه وإيقاظ للخلق جميعاً بأن مرجع الخلائق ومصير شؤونهم كلها في القيامة إليه وحده لا إلى غيره، فيحكم بين عباده بعدله ويفصل بينهم بحكمه، ويجزي كل نفس بما تسعى.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 218)مصدر غير محدد٧/٢١٨ أن في هذا الختام إعلاناً لوحدانية الملك والتدبير؛ فالأمور كلها مبدؤها من مشيئة الله ومصيرها ومآلها إلى حكمه وجزائه، فلا فوت لظالم ولا ضياع لمظلوم.
وأكد ابن عاشور في (التحرير والتنوير، ج 25، ص 134)التحرير والتنويرابن عاشور٢٥/١٣٤ أن ختام السورة بهذه الجملة المستقلة الاستفتاحية: {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} يمثل الذروة في تقرير التوحيد المطلق وقطع كل تعلق بغير الله تعالى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَصِيرُ}: الصيرورة: التحول والمصير والرجوع والانتقال من حال إلى حال إلى الغاية النهائية.
{الْأُمُورُ}: جمع أمر، ويشمل كل شأن وحركة وسكنة وعمل وجزاء في الوجود.
الإعراب:
{صِرَاطِ}: بدل من {صِرَاطٍ} في الآية السابقة مجرور بالكسرة (أو نعت له)، وهو مضاف.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل جر نعت للفظ الجلالة.
إضافة الصراط إلى لفظ الجلالة {صِرَاطِ اللَّهِ}: لبيان شرفه وعظمته وأنه الطريق الوحيد المأمون الموصل إلى رضوان مالك الملك.
تقديم المعمول في {إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ}: لقصر الصيرورة والحصر؛ أي لا تصير الأمور ولا ترجع إلى ملك ولا حاكم ولا ند، بل إليه وحده جل جلاله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إحاطة العودة والحساب الإلهي وعمومهما: قد يتصور الإنسان في دار الدنيا أن هناك أموراً تخرج عن قبضة العدالة أو تفلت من سلطان القانون البشري القاصر، ولكن الآية تحسم بأن جميع الأمور (الظلم، العدل، الحقوق، النوايا، الأفعال، الأقدار) مصيرها الحتمي إلى الله وحده الذي لا تخفى عليه خافية؛ مما يقرر العدالة المطلقة في الكون.
التوحيد العملي للمقاصد: إذا كانت الأمور كلها صائرة إلى الله، فما قيمة التوجه إلى غيره أو ابتغاء الرضا من سواه؟ العقل السليم يقضي بالتوجه إلى من إليه المرجع والمآل بالكلية.
أسلوب الاستفتاح والتنبيه بـ {أَلَا}: لقرع القلوب وإيقاظ الغافلين وتأكيد النبأ العظيم.
القصر البلاغي بتقديم الجار والمجرور: {إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} لإفادة الاختصاص والقطع بأن المرجع إليه وحده دون سواه.
الإشارة التدبرية: طمأنينة المؤمن وسلامة صدره؛ إذا علم أن مصير الأمور كلها إلى أعدل العادلين وأرحم الراحمين، هانت عليه مصائب الدنيا ومظالمها، واطمأن قلبه بأن الحق لن يضيع، وأن العاقبة للمتقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ملازمة الاستقامة على صراط الله المستقيم حتى الممات؛ فهو حبل النجاة في الدنيا والآخرة.
جعل مرضاة الله الغاية والوجهة في كل عمل؛ فإليه وحده ترجع الأمور وتنتهي المطالب.
محاسبة النفس واستشعار وقفة الحساب بين يدي مالك الملك الذي يحكم بالعدل ولا يظلم ربك أحداً.