أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ
أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ
يواصل الطغاة تساؤلهم الحائر في قعر جهنم عن غياب المؤمنين: {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ}. روى الطبري في "جامع البيان" (20/ 110)جامع البيان٢٠/١١٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في معنى الآية: يقولون: هل كان استهزاؤنا بهم في الدنيا باطلاً وخطأً وهم في الجنة؟ أم أنهم معنا في النار ولكن عيوننا مالت وانصرفت عن رؤيتهم لشدة الظلمة وازدحام العذاب؟ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: {أَتَّخَذْنَاهُمْ} بهمزة قطع مفتوحة على الاستفهام التوبيخي لأنفسهم؛ وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر بوصل الهمزة {اتَّخَذْنَاهُمْ} على الخبر؛ وقرأ نافع والكسائي وحمزة وأبو بكر عن عاصم بكسر السين: {سِخْرِيًّا}، وقرأ الباقون بضمها: {سُخْرِيًّا}، وهما لغتان؛ وقيل بالكسر من الاستهزاء، وبالضم من التسخير والاستخدام. وأكد ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (7/ 80)تفسير القرآن العظيم٧/٨٠ أن كلا الأمرين كان خيبة لهم؛ فلا هم وجدوهم في النار، ولا سلموا من الحسرة والندامة على استهزائهم بالحق وأهله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مكملة للتساؤل السابق؛ حيث يحاول الطغاة تفسير هذه المفاجأة الصادمة؛ فيترددون بين أمرين أحلاهما مر: إما الاعتراف بأن استهزاءهم بهم كان جهلاً وضلالاً وأن أولئك المؤمنين في الجنة مكرّمون، وإما التوهم بأنهم معهم في النار ولكن أبصارهم كلّت وزاغت عن إدراكهم؛ وفي كلا الفرضين يكمن الخزي الأبدي.