تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 16)جامع البيانالطبري٢٠/١٦: قال: أم لهؤلاء المشركين المعترضين ملك السماوات والأرض وما بينهما من الخلائق حتى يدبروا أمر الملك والنبوة؟! فإن كانوا يزعمون ذلك فليصعدوا في أسباب السماء وطرقها وأبوابها ومعارجها فليمسكوا الوحي عن محمد وليمنحوه من شاؤوا! وهذا أمر تعجيز وتهكم شديد بضعفهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 55)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٥٥: أوضح أن هذا ترقٍ في التبكيت والتعجيز؛ إن لم يكن بأيديهم خزائن الرحمة فهل بأيديهم ملك الأكوان الكبرى؟! فإن ادعوا ذلك فليصعدوا إلى السماء إن استطاعوا ليدبروا ملك الوجود، وهم أعجز من أن يرتفعوا شبراً في الهواء.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 152)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٥٢: ذكر أن "الأسباب" هي المعارج والأبواب والحبال التي يُتوصل بها إلى السماء، وأمرهم بالارتقاء أمر تعجيزي لإظهار هوانهم وعجزهم المطلق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{مُّلْكُ}: السلطان والاستيلاء والتدبير والتصرف المطلق.
{فَلْيَرْتَقُوا}: الارتقاء: الصعود والعلو في الدرجات والمعارج؛ من رقي يرقى رقياً.
{الْأَسْبَابِ}: جمع سبب، وهو كل ما يُتوصل به إلى الشيء من حبل أو طريق أو باب أو سُلّم.
الإعراب التفصيلي:
{أَمْ}: حرف عطف منقطع للإضراب والاستفهام الإنكاري.
{لَهُم}: جار ومجرور خبر مقدم، والميم للجمع.
{مُّلْكُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{السَّمَاوَاتِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
{وَالْأَرْضِ}: معطوف مجرور.
{وَمَا}: اسم موصول معطوف مبني في محل جر.
{بَيْنَهُمَا}: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، وهما مضاف إليه.
{فَلْيَرْتَقُوا}: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر، اللام لام الأمر، يرتقوا: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل.
{فِي الْأَسْبَابِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {يَرْتَقُوا}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: ترقٍ برهاني قاطع من الأخص إلى الأعم؛ بدأ بنفي امتلاكهم لخزائن الرحمة الخاصة {خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ}، ثم عمم بنفي امتلاكهم لملك الأكوان الشاسعة برمتها {مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، وتحداهم بالصعود الكوني لعزل الوحي إن زعموا شراكة في الملك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع تخرصات الكبرياء البشري العاجز:
المحاكمة العقلية الكونية: الإنسان ذرة تافهة في ملكوت السماوات والأرض، لا يملك التحكم في هطول قطرة مطر ولا حركة كوكب، فكيف يزعم لنفسه حق التدخل في تدبير النبوات وإنزال الكتب؟! هذا التعجيز القرآني {فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} يصفع الغرور البشري ويدعوه للرجوع إلى حقيقة ضعفه وتواضعه لربه.
أسلوب التعجيز والتهكم بلام الأمر {فَلْيَرْتَقُوا}: يحمل أقصى درجات الاستخفاف بآرائهم الساقطة؛ إذ كيف يرتقي في أسباب السماء من يعجز عن دفع الذباب عن نفسه؟!
التعميم بـ {وَمَا بَيْنَهُمَا}: لاستيعاب كل عوالم الفضاء والوجود وإثبات خضوعها التام لرب العالمين وحده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج الدعوي: مواجهة كبرياء الخصوم بضخامة المشهد الكوني ليعلموا قدر أحجامهم الحقيقية أمام عظمة الله وسلطانه.
الوجدان الإيماني: الخضوع والانكسار لجلال مالك الملك، والتأمل في بديع صنعه في السماوات والأرض وما بينهما.