تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 53)جامع البيانالطبري٢٠/٥٣: قال: أم نجعل يا معشر العقلاء الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بطاعته واستقاموا على أمره، كالمفسدين الذين كفروا به وعاثوا في الأرض فساداً وظلماً؟! أم نجعل أهل التقوى الذين خافوا ربهم كالفجار الفسقة الفجار؟! لا، لن نسوي بينهما أبداً في حكمنا ولا في جزائنا؛ فإن التسوية بينهما عين الظلم، والله منزه عن الظلم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 62)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٦٢: أوضح أن هذا استفهام إنكاري مقتضاه نفي التسوية قطعاً؛ فالله بحكمته وعدله لا يمكن أن يسوي بين أوليائه المؤمنين المصلحين وبين أعدائه المفسدين الفجار لا في الدنيا ولا في الآخرة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 183)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٨٣: ذكر أن هذه الآية أقوى حجة عقلية على وجوب المعاد ويوم القيامة؛ إذ لو لم يكن هناك يوم آخر يُنصف فيه المؤمن وتُقتص فيه المظالم لاستوت حياة الصالح والفاجر، وذلك محال في حكمة أحكم الحاكمين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{أَمْ}: المنقطعة المقدرة بـ "بل" والهمزة؛ للإنكار والنفي القاطع.
{الْمُفْسِدِينَ}: المغيرين لنظام الحق بالمعاصي والشرك والعدوان.
{الْمُتَّقِينَ}: الذين اتخذوا وقاية من عذاب الله بطاعته وتوحيده.
{كَالْفُجَّارِ}: جمع فاجر، من الفجور وهو الانبعاث والتوسع في المعاصي وشق ستر الديانة.
الإعراب التفصيلي:
{أَمْ}: حرف عطف منقطع يفيد الإضراب والاستفهام الإنكاري.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول لنجعل.
{آمَنُوا}: صلة الموصول.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: معطوف.
{كَالْمُفْسِدِينَ}: الكاف اسم بمعنى مثل مفعول به ثانٍ لنجعل (أو حرف جر والجار والمجرور متعلقان بمحذوف مفعول ثانٍ)، وعلامة الجر الياء.
{فِي الْأَرْضِ}: متعلقان بـ {الْمُفْسِدِينَ}.
{أَمْ}: حرف عطف منقطع للإضراب والاستفهام ثانية.
{نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ}: فعل وفاعل ومفعول به أول.
{كَالْفُجَّارِ}: مفعول به ثانٍ (أو متعلقان بمحذوف).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: برهان عقلي وأخلاقي ثانٍ يؤكد بطلان دعوى عدم البعث؛ فبعد الاستدلال بعظمة خلق الكون، استدل هنا بميزان العدالة الأخلاقية: كيف يسوي عاقل فضلاً عن الخالق العادل بين الصالح والمفسد، والمتقي والفاجر؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة انتهاء الحياة بالموت دون حساب:
المحاكمة الأخلاقية الصارمة: نرى في الدنيا المصلح الصابر يموت مظلوماً ومضطهداً، ونرى الفاجر الظالم يموت منعماً مترفاً؛ فلو لم يكن هناك بعث وجزاء لاستوى الفريقان بل لكان الفاجر أرغد عيشاً، وهذا مستحيل ومحال قطعاً في العقول والفطر السليمة؛ فوجود البعث ضرورة عقلية وأخلاقية لتحقيق العدالة الإلهية المطلقة.