تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 28)جامع البيانالطبري٢٠/٢٨: قال: وسخرنا له الطير مجموعة محبوسة في الهواء، تقف وتجتمع وتسبح معه كلما سبح ورجع؛ فإذا رجع داود صوته بالزبور وقفت الطيور في الهواء حابسة أنفسها عن الطيران مسبحة معه. وقوله: {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ}؛ أي كل من الجبال والطير وداود لله تعالى مطيع رجّاع مسبح خاضع.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 58)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٥٨: أوضح أن الحشر هو الجمع؛ فكانت الطيور تتجمع من الأوكار والأعالي فتسبح في الهواء تبعاً لتسبيحه، وكل تلك الخلائق أوابة لربها خاضعة لأمره.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 163)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٦٣: بين أن نصب "الطير" بالعطف على "الجبال" في الآية السابقة {سَخَّرْنَا الْجِبَالَ ... وَالطَّيْرَ}، والحال "محشورة" تبين هيئتها المجتمعة المسبحة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{مَحْشُورَةً}: المحشور: المجموع المحبوس المضموم بعضه إلى بعض في موضع واحد؛ من الحشر وهو الجمع بالقهر والسوق.
{كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ}: الضمير في "له" يعود إلى الله تعالى عند الجمهور، وقيل يعود إلى داود؛ أي مسبح بأمره وتبعاً له، والأول أرجح وأجلّ.
الإعراب التفصيلي:
{وَالطَّيْرَ}: الواو عاطفة، الطير معطوف على {الْجِبَالَ} منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة (أو مفعول معه).
{مَحْشُورَةً}: حال منصوبة من {الطَّيْرَ} وعلامة نصبها الفتحة الظاهرة.
{كُلٌّ}: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وتنوينه تنوين عوض (أي كل واحد من داود والجبال والطير).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: تكامل المشهد التسخيري العجيب؛ فسخر له الجماد الثقيل الراسخ في الأرض (الجبال)، وسخر له الحيوان الطائر الخفيف السابح في الفضاء (الطير)، فاجتمع له تسبيح الأرض والسماء في سيمفونية إيمانية لا نظير لها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة توقف الطير عن غريزتها الطبيعية في طلب الرزق والطيران:
المحاكمة العقلية والمعجزية: المعجزة تقتضي خرق العادات المألوفة؛ فحبس الطير في كبد السماء مجتمعة مسبحة هو انقياد رباني باهر بأمر خالقها ومسخرها، يري الله به عباده كيف تنقاد الجوارح والأحياء لسماع الذكر والتسبيح النبوي الصادق.
الحال المؤكدة {مَحْشُورَةً}: ترسم لوحة مرئية بديعة لأسراب الطير وهي تتداعى من كل فج لتصطف في طبقات الجو متجاوبة مع مزامير داود الخاشعة.
التذييل المحكم {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ}: تنكير "كل" يفيد الاستغراق والعموم والإحاطة، لرد الفضل كله لله، فلا يغفل الذهن عن الخالق الذي تؤوب إليه جميع الكائنات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تحسين الصوت بالقرآن والخشوع في تلاوته وترتيله؛ تأسياً بسنة داود التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لأبي موسى الأشعري: «لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» (متفق عليه).
الوجدان الإيماني: محبة التسبيح والأوبة إلى الله، واستشعار خجل العبد إذا رأى الطير والجبال تسبح ليل نهار وهو يقصر في ذكر مولاه.