تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 13)جامع البيانالطبري٢٠/١٣: قال: هذا القول هو عين الحسد والغيرة من كبراء قريش؛ قالوا: أأنزل على محمد القرآن والوحي من بيننا ونحن سادة القوم وأشرافهم وكبراؤهم وذوو الأموال والجاه؟! فرد الله عليهم وأضرب كاشفاً حقيقة حالهم: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي}؛ أي في شك وريب وحيرة مما أنزلته من الذكر، {بَل لَّمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ}؛ أي بل هم مكذبون مستهزئون لأنهم لم يذوقوا بعد عذابي ونكالي، ولو ذاقوه لأيقنوا وتبرأوا من هذا الكبر.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 55)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٥٥: أوضح أن هذا كقوله تعالى في سورة الزخرف: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}، فحسدوه على اصطفاء الله له بالنبوة، وأكد أن علة عنادهم هي الأمن من العذاب؛ فما داموا في عافية فهم يتبجحون، وسينقلب أمرهم عند أول جرعة من العذاب.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 151)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٥١: بين أن إضراب "بل" تكرر مرتين؛ الأولى للانتقال من حكاية حسدهم إلى بيان مرض الشك، والثانية للانتقال إلى بيان علة الأمن والاستدراج بعدم مساس العذاب لهم بعد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{أَأُنزِلَ}: همزة الاستفهام الإنكاري، وقرئ بتحقيق الهمزتين، أو بتسهيل الثانية بين بين مع إدخال ألف أو دونه.
{مِن بَيْنِنَا}: تخصيص له دون سائر أشراف مكة وزعمائها.
{لَّمَّا}: حرف نفي وجزم يفيد نفي الفعل في الماضي مع استمرار النفي وتوقع حصوله في المستقبل.
{عَذَابِ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والكسرة دليل عليها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: كشف القناع الأخير عن أصل المعارضة القرشية؛ وهو "الحسد الاجتماعي والطبقي"؛ كيف يختص محمد بالرسالة دون كبار قريش؟! ثم واجههم الله بإضرابين حاسمين يفضحان ريب القلوب وجرأة الجهل الناشئة عن تأخر العقاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة تقييد الاصطفاء الإلهي بمقاييس الجاهلية المادية:
المحاكمة العقدية والقرآنية: النبوة فضل إلهي واصطفاء رباني قائم على كمال النفس وطهارة السريرة وعلم الله بمواطن الأهلية: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}، وليست خاضعة لمقاييس الأموال والعشائر والوجاهات الدنيوية الفانية، فاعتراضهم تحكم باطل على مشيئة الله وحكمته.
إضافة الذكر إلى ياء المتكلم {ذِكْرِي} بعد تعريفه باللام {الذِّكْرُ}: التفات بديع يربي المهابة؛ فالذكر ذكري أنا، وأنا رب العالمين الذي أنزله باصطفائي وحكمتي، فمن أنتم حتى تعترضوا على تنزيلي؟!
استعمال {لَّمَّا} الجازمة بدلاً من "لم": للتنبيه على قرب وقوع التذوق للعذاب؛ أي لم يذوقوا العذاب بعد ولكنهم على وشك أن يذوقوه قريباً جداً في الدنيا والآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: الحذر الشديد من داء الحسد؛ فإنه قد يدفع بصاحبه إلى رد أوضح آيات الله ومحاربة أنبيائه لمجرد كراهية رؤية الفضل ينزل على غيره.
الوجدان الإيماني: الرضا التام بقضاء الله وقسمته، واليقين بأن فضل الله واسع يؤتيه من يشاء وهو ذو الفضل العظيم.