تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 71)جامع البيانالطبري٢٠/٧١: قال: وسخرنا له الشياطين من مردة الجن والجنود الخفية؛ فمنهم من يسخره في البناء الشامخ وتشييد المحاريب والتماثيل والقصور (كل بنّاء)، ومنهم من يغوص في أعماق البحار والمحيطات ليستخرج له اللؤلؤ والمرجان والدرر والكنوز (وغواص).
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 68)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٦٨: أوضح أن هذا التسخير لقوى الجن الخفية المتمردة كان من أخص خصائص ملك سليمان التي استجاب الله بها دعوته؛ فأذلهم الله له وربط ناصيتهم بطاعته في الأعمال الشاقة التي يعجز عنها البشر.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 200)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/٢٠٠: بين أن الغواص هو الذي ينزل في قعر البحر لإخراج نفائس الجواهر، والبناء هو الذي يشيد الأبنية العظيمة التي خلد القرآن ذكرها في سورة سبأ: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{الشَّيَاطِينَ}: جمع شيطان، وهم عتاة الجن ومردتهم.
{بَنَّاءٍ}: صيغة مبالغة؛ الحاذق الماهر في تشييد الصروح والأبنية الضخمة.
{غَوَّاصٍ}: صيغة مبالغة؛ القادر على الغوص في لجج البحار وأعماقها المظلمة.
الإعراب التفصيلي:
{وَالشَّيَاطِينَ}: الواو عاطفة، الشياطين معطوف على {الرِّيحَ} في الآية السابقة منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{كُلَّ}: بدل بعض من كل (أو مفعول به لفعل محذوف، أو بدل كل من كل على إرادة التفصيل)، منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وهو مضاف.
{بَنَّاءٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: توسيع آفاق التسخير النبوي العجيب؛ فبعد تسخير القوى الكونية الطبيعية (الريح)، انتقل إلى تسخير العوالم الغيبية المتمردة (الشياطين)، لتكتمل له أسباب العمران وبناء الحضارة في البر والبحر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة مشروعية الاستعانة بالشياطين والجن في عصرنا:
المحاكمة العقدية لأهل السنة: تسخير الشياطين والجن لسليمان كان "معجزة نبوية خاصة" استجابة لدعوته: {مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي}، وكانت الشياطين خاضعة له مقهورة مذلولة بسلطان الله؛ أما بعد سليمان فلا يجوز لأحد من البشر استدعاء الجن ولا استخدامهم؛ لأن استخدامهم اليوم لا يحصل إلا بتقديم القرابين والشرك والبدع والخضوع لأهوائهم، وهو سحر وكهانة محرمة بإجماع المسلمين.
استعمال صيغتي المبالغة {بَنَّاءٍ} و{غَوَّاصٍ}: للدلالة على توظيف أعلى الطاقات الفنية والقدرات الخارقة في عمارة الأرض واستخراج خيراتها لنصرة دين الله.
التصنيف المهني الدقيق: يبرز عظمة التنظيم الإداري والتقسيم الوظيفي لجند سليمان حتى في عوالم الجن والشياطين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج الحضاري: توظيف الطاقات والإمكانات المتاحة في البناء والإعمار واستخراج خيرات الأرض والبحار في خدمة الإنسانية وإعلاء راية الحق.
الوجدان الإيماني: تعظيم قهر الله الذي يذل المردة والعتاة لأوليائه، واليقين بأن الشياطين مهما امتلكت من القوى فإنها عاجزة مقهورة أمام سلطان رب العالمين.