تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 70)جامع البيانالطبري٢٠/٧٠: قال: أي فاستجبنا دعوته وسخرنا له الريح طيعة منقادة لأمره ومشيئته؛ تجري بأمره ليّنة سهلة طيبة مطيعة لا تعصف به ولا تهلكه، حيث أصاب؛ أي حيث أراد وقصد وتوجه من بقاع الأرض في جيوشه وركابه.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 68)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٦٨: أوضح أن هذا مظهر الاستجابة الإلهية الفورية لسؤاله؛ فسخر الله له الريح العاتية فصارت طوع أمره، تجري غدوها شهر ورواحها شهر، ومع سرعتها الهائلة كانت "رخاءً"؛ أي لينة رخية مريحة تحمله وجنوده وسائر أمتعته في أمان تام.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 199)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٩٩: ذكر أن قوله "حيث أصاب" لغة في لغة حمير وأهل اليمن تعني: حيث أراد وقصد؛ يقال: أصاب فلان الصواب؛ أي أراد الحق، وأصاب المكان إذا قصده.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{رُخَاءً}: اللينة الهادئة السهلة التي لا زعزعة فيها ولا مشقة ولا كلفة على راكبها.
{أَصَابَ}: قصد وأراد وتوجه؛ من أصاب الغرض إذا قصده وتوجه نحوه.
الإعراب التفصيلي:
{فَسَخَّرْنَا}: الفاء عاطفة سببية، سخرنا فعل وفاعل.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلقان بـ {سَخَّرْنَا}.
{الرِّيحَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{تَجْرِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، وفاعله مستتر، والجملة في محل نصب حال من الريح.
{بِأَمْرِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {تَجْرِي}، والهاء مضاف إليه.
{رُخَاءً}: حال ثانية منصوبة من الريح (أو نائب مفعول مطلق أي جرياً رخاءً).
{حَيْثُ}: ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بـ {تَجْرِي}.
{أَصَابَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والجملة في محل جر بالإضافة لـ {حَيْثُ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: البشارة العملية والتحقيق المعجز للدعوة؛ فما أن فرغ من قوله {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي} حتى جاءت الفاء التعقيبية {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ}، لتبدأ سلسلة الخوارق والتسخيرات الملكية الاستثنائية التي تفرد بها سليمان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التناقض بين وصف الريح بـ "رخاء" هنا ووصفها بـ "عاصفة" في سورة الأنبياء:
في سورة الأنبياء قال: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً}، وهنا قال: {رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ}.
المحاكمة البلاغية والقرآنية الراسخة: لا تعارض إطلاقاً بين الوصفين؛ فالريح مسخرة لسليمان بأمر الله، فكانت "عاصفة" في سرعتها وقطعها المسافات الشاسعة (غدوها شهر ورواحها شهر)، وكانت "رخاءً" في لينها وسلاستها وهدوء نسيمها على ركابها بحيث لا تزعجهم ولا تضرهم؛ فجمعت له أقصى السرعة مع كمال الأمان والسلامة، وهذا غاية الإعجاز والتسخير.