تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 8)جامع البيانالطبري٢٠/٨: أورد سبب نزول هذه الآيات بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته! فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو طالب: يا ابن أخي ما بال قومك يشتكونك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا عَمِّ، إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ»، قالوا: كلمة واحدة؟! نعم وعشر كلمات، ما هي؟ قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». فقاموا ينفضون ثيابهم ويقولون: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}، فأنزل الله الآيات (رواه أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم).
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 53)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٥٣: أوضح أن عجبهم كان من أن يبعث الله بشراً منهم يعرفون نسبه وصدقه وأمانته منذ صباه، فلما آتاه الله النبوة قابلوه بالتكذيب والبهتان فرموه بالسحر والكذب.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 708)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٧٠٨: ذكر أن إرسال نذير من جنسهم ولغتهم كان يوجب الشكر والقبول التام، ولكنهم قلبوا النعمة كفراناً فتعجبوا من الحق الصريح.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{وَعَجِبُوا}: العجب: انفعال نفسي واستغراب يطرأ عند رؤية ما يخالف المألوف أو المستقر في الذهن.
{مُّنذِرٌ}: المخوف من عواقب الشر والشرك بالبينات.
{مِّنْهُمْ}: من جنسهم وبشر مثلهم ومن أشرف قبائلهم.
{سَاحِرٌ كَذَّابٌ}: صيغة بهتان وتناقض جمعت بين رمي الكلام بالتأثير الخارق (السحر) ونفي الصدق عنه بالكلية (كذاب).
الإعراب التفصيلي:
{وَعَجِبُوا}: الواو استئنافية، عجبوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{أَن}: حرف مصدري ونصب.
{جَاءَهُم}: فعل ماض مبني على الفتح، والهاء مفعول به والميم للجمع.
{مُّنذِرٌ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والمصدر المؤول من أن والفعل في محل جر بحرف جر محذوف (أي من أن جاءهم) متعلق بـ {عَجِبُوا}.
{مِّنْهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ {مُّنذِرٌ}.
{وَقَالَ}: الواو عاطفة، قال: فعل ماض.
{الْكَافِرُونَ}: فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
{كَذَّابٌ}: نعت لـ {سَاحِرٌ} أو خبر ثانٍ مرفوع وعلامة رفعه الضمة، والجملة مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: بيان مظهر عزة الإثم والشقاق المذكورة سابقاً؛ فبدل أن يتفكروا في النذارة ويخشوا مصارع القرون، استغربوا مجيء النذير الإنساني المشفق وواجهوه بالاتهامات الرخيصة والتنمر اللفظي الباطل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التناقض الصارخ في الجمع بين "ساحر" و"كذاب":
المحاكمة العقلية لإسقاط كيد قريش: وصفهم للنبي صلى الله عليه وسلم بـ {سَاحِرٌ كَذَّابٌ} هو اعتراف ضمني بعجزهم وتخبطهم الفكري؛ فالساحر ذو حيلة خارقة وتأثير بياني يخلب العقول، والكذاب يفتضح كذبه ولا يثبت له أثر، فجمعوا بين الوصفين بدافع الحيرة والبهتان، مع علمهم اليقيني بأنه الصادق الأمين الذي لم يجربوا عليه كذباً قط في حياته.
إظهار الاسم الظاهر {وَقَالَ الْكَافِرُونَ} بدلاً من الضمير "وقالوا": للتسجيل عليهم بوصف الكفر والجحود، ولبيان أن هذا القول لا يصدر إلا ممن تمكن الكفر من قلبه وطمس بصيرته.
التعبير بـ {مِّنْهُمْ}: لإبراز عظم المنة التي قابلوها بالجحود؛ فالنذير منهم يعرفون طهارة مولده وصدق لهجته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج الدعوي: توطين نفس الداعية على تلقي الشتائم والاتهامات الباطلة؛ فهذا طريق الأنبياء، والخصوم يلجأون دائماً لتشويه سمعة الداعية إذا عجزوا عن مجابهة حجته.
الوجدان الإيماني: توقير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وتنزيهه عن كل ما رماه به الكفار من السحر والكذب، وشهادة القلب بأنه أصدق الصادقين وخاتم المرسلين.