تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 40)جامع البيانالطبري٢٠/٤٠: بيّن أن داود لما سمع دعوى المدعي قال مباشرة على فرض صحة قوله: لقد ظلمك صاحبك بطلبه نعجتك ليضمها إلى نعاجه، وإن كثيراً من الشركاء والخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا من عصمهم الإيمان والعمل الصالح وهم قليل في الناس. ثم شعر داود أن الأمر لم يكن خصومة عادية بل كان ابتلاءً وامتحاناً من ربه له: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ}؛ أي علم واستيقن أنا اختبرناه، فبادر فوراً إلى الاستغفار وخرّ ساجداً مسبحاً لربه وأناب.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 60)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٦٠: أورد حديث ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح البخاري (برقم 3421)مصدر غير محددحديث رقم ٣٤٢١ قال: "لَيْسَتْ «ص» مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِيهَا"، وفي رواية النسائي برقم 957 عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْراً».
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 175)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٧٥: ذكر أن قوله {وَخَرَّ رَاكِعًا} عبر بالركوع عن السجود؛ لأن الركوع في لغة العرب يطلق على الانحناء والسجود لله تعالى، أو سجد بعد ركوعه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{الْخُلَطَاءِ}: جمع خليط، وهم الشركاء الذين اختلطت أموالهم أو مصالحهم ببعض؛ من الخلط وهو ضم الشيء إلى الشيء.
{وَظَنَّ}: الواو استئنافية، ظن: فعل ماض يفيد اليقين هنا.
{دَاوُودُ}: فاعل مرفوع بالضمة منع من الصرف.
{أَنَّمَا}: كافة ومكفوفة (أو أن واسمها).
{فَتَنَّاهُ}: فعل ماض، و"نا" فاعل، والهاء مفعول به، وسدت مسد مفعولي ظن.
{فَاسْتَغْفَرَ}: الفاء عاطفة سببية، استغفر: فعل ماض وفاعله مستتر.
{رَبَّهُ}: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه.
{وَخَرَّ}: معطوف، فعل ماض.
{رَاكِعًا}: حال منصوبة من فاعل خرّ (أي ساجداً).
{وَأَنَابَ}: معطوف، فعل ماض.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: ذروة القصة ومحور التحول الإيماني؛ حكم داود بمقتضى ظاهر القول، ثم تفطن بنور النبوة إلى أن هذا المشهد كان تنبيهاً ربانياً وامتحاناً من الله له، فبادر فوراً دون تأخير لحظة واحدة إلى التوبة والاستغفار والسجود المنيب الخاشع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق وتعيين "الفتنة" التي استغفر منها داود عليه السلام:
المحاكمة العقدية لأهل السنة: بعد رد خرافات الإسرائيليات التوراتية الباطلة، ما هي الفتنة التي فتن الله بها داود؟!
القول الأول والأقوى: أنه تعجل في الحكم للمدعي بسماع كلامه وحده قبل أن يسمع حجة المدعى عليه ويبين دفعه؛ إذ قال مباشرة: {لَقَدْ ظَلَمَكَ} بمجرد سماع شكوى الأول، مع أن وظيفة القاضي الاستماع للطرفين، فلما انتبه إلى عجلة هذا القضاء استغفر ربه وسجد، ولذلك أعقبه الله مباشرة بقوله: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ}.
القول الثاني: أنه انشغل بعبادته في المحراب واحتجب عن الرعية حتى تسوروا عليه، فعاتبه الله بتمثيل هذه الواقعة ليعلم أن قضاء حوائج الناس أولى من الانعزال بالعبادة الفردية.
حسنات الأبرار سيئات المقربين؛ فما وقع منه لم يكن معصية ولا كبيرة، بل كان تركاً للأولى في دقائق القضاء وسلوك الحكام، فاستغفر منه وخر ساجداً طلباً لرضوان الله، وهذا من كمال فضله وعلو درجته.