تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 32)جامع البيانالطبري٢٠/٣٢: قال: فلما هبطوا عليه المحراب فجأة وهو يصلي، خاف وفزع منهم؛ لأنه لم يدخل عليه أحد من الباب وكان محرابه محروساً فظن أنهم يريدون به شراً واغتيالاً، فسارعوا إلى تطمينه: {قَالُوا لَا تَخَفْ} نحن خصمان وقع بيننا بغي واعتداء، فاحكم بيننا بالقضاء العادل، ولا تشطط؛ أي لا تجر ولا تمل عن الحق، وأرشدنا إلى طريق الصواب والعدل المستوي.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 59)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٥٩: أوضح أن فزع داود كان فزعاً طبيعياً بشرياً لمفاجأة الدخول من السور وسلاحه موضوع في محرابه، فلما رأوا فزعه بادروا بتسكين روعه وإظهار سبب مجيئهم وهو طلب القضاء العادل.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 167)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٦٧: ذكر أن "الشطط" في لغة العرب هو الجور والإفراط ومجاوزة الحد؛ ومنه شطت الدار إذا بعدت، وشط في السوم إذا غالى وجار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{فَفَزِعَ}: الفزع: انقباض القلب وخوفه المفاجئ عند مباغتة المكروه أو ما يُتوقع منه الخطر.
{بَغَىٰ}: البغي: مجاوزة الحد والظلم والاعتداء على حقوق الغير.
{وَلَا تُشْطِطْ}: الشطط: الجور والظلم والميل عن القسط.
{سَوَاءِ الصِّرَاطِ}: سواء الشيء وسطه وعدله، والصراط الطريق الواضح الموصل للحق.
الإعراب التفصيلي:
{إِذْ}: بدل من إذ الأولى في الآية السابقة.
{دَخَلُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{عَلَىٰ دَاوُودَ}: جار ومجرور بالفتحة لمنعه من الصرف متعلقان بـ {دَخَلُوا}.
{فَفَزِعَ}: الفاء عاطفة سببية، فزع: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
{بَغَىٰ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر.
{بَعْضُنَا}: فاعل مرفوع، ونا مضاف إليه، والجملة نعت لـ {خَصْمَانِ}.
{عَلَىٰ بَعْضٍ}: جار ومجرور متعلقان بـ {بَغَىٰ}.
{فَاحْكُم}: الفاء رابطة لترتيب الحكم على الخصومة، احكم: أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{بَيْنَنَا}: ظرف مكان متعلق بـ {احْكُم}، ونا مضاف إليه.
{بِالْحَقِّ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (أي ملتبساً بالحق).
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا ناهية.
{تُشْطِطْ}: مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه السكون، وفاعله مستتر.
{وَاهْدِنَا}: الواو عاطفة، اهدِ: فعل دعاء وطلب مبني على حذف حرف العلة، وفاعله مستتر، ونا مفعول به.
{إِلَىٰ سَوَاءِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {اهْدِنَا}، وهو مضاف.
{الصِّرَاطِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: تسلسل درامي سريع؛ مباغتة ثم فزع {فَفَزِعَ مِنْهُمْ}، ثم تدارك بالتهدئة وتبيين الهوية {قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ}، ثم عرض المطلب القضائي بأدب العدل وطلب الصواب دون جور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة وقوع الجور من داود حتى يقال له {وَلَا تُشْطِطْ}:
المحاكمة العقدية والقضائية: نهي الخصم للقاضي أو النبي بقوله: {وَلَا تُشْطِطْ} ليس اتهاماً لداود بأنه يجور في العادة؛ حاشا لمقام النبوة المعصومة والقضاء العادل، بل هو من باب التذكير والتوكيد والالتماس والتثبت، كما يقول السائل للمفتي: أفتني بالحق ولا تجاملني، وهو أسلوب عربي معروف لإبراز أهمية القضية واستثارة كمال التحري.
إيجاز الحذف في {خَصْمَانِ}: بحذف المبتدأ "نحن" للإسراع في إزالة الفزع عن قلبه وحصر هويتهم في دائرة التقاضي السلمي.
الجمع بين الأمر بالحق والنهي عن الشطط: {فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ}؛ لجمع أركان العدل نفياً وإثباتاً؛ إثبات الحق ونفي أي ميل أو جور قليل أو كثير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج القضائي والأخلاقي: ضرورة مراعاة نفسية الخائف وتطمينه قبل البدء في المخاصمة، والالتزام المطلق بالعدل والإنصاف وسواء الصراط في جميع الخصومات.
الوجدان الإيماني: التواضع لسماع النصيحة والتذكير بالعدل حتى وإن صدرت من الخصوم؛ فالأنبياء كانوا أوسع الناس صدراً للحق.